الدنيا والآخرة في الميزان لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ١٣وقد نبه بعض المفسرين إلى نكتة إفراد السوء في معرض ذكر الذين يقبل الله تعالى توبتهم، وجمع السيئات عند ذكر الذين لا تقبل لهم توبة، فبين الله تعالى أن أولئك الذين يقبل الله توبتهم إنما يحرصون دائما على تطهير نفوسهم بالتوبة، فعندما يواقعون المعصية يتوبون إلى الله سبحانه وتعالى توبة نصوحا من مواقعتها حتى تتطهر نفوسهم من دنسها، فلا يبقى لها أثر في قلوبهم، بخلاف أولئك الذين يهملون أنفسهم، والنفس كما قلت مثلها مثل الثوب، ومثلها أيضا مثل المرآة، فإن المرآة عندما تصاب بالصدى إن عجل صاحبها إلى جلوها من الصدى انجلت وعادت كما كانت، أما إن تركها فإنها تظلم، والنفس تشرق عليها أنوار الحقيقة عندما تكون صافية، بخلاف ما إذا كانت غير صافية بما يتراكم عليها من الصدى، والله سبحانه وتعالى بعد ما بين ذلك قال: ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآَنَ ﴾ لأن هذه التوبة إنما هي توبة اضطرارية وليست توبة اختيارية، عندما يشاهد الإنسان ريب المنون وييأس من الحياة الدنيا لا يكون فعله للتوبة بدافع من رغبته فيها وإنما يكون لاضطراره إليها، فهو قد أبصر بعض آيات الله: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ﴾(1) .
(1) الأنعام / 158.