الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ١١٩وما من اكتشاف عِلميّ لحقيقة كونية إلا وينخرط في سلك جواهر تجليات إعجازه، وصدق الله تعالى حين يقول وهو أصدق القائلين : " قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكن بربك أنه على كل شيء شهيد ألا أنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط"(1)، والقرآن الكريم هو لحمة نسيج الوحدة الإيمانية التي تنتظم قلوب المؤمنين، فإنه يصل بين قلوب العباد كما أنه بين العباد وبين ربهم - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، ذلك لأنه يربط على قلوب أتباعه، ويعطف بعضها على بعض، وقد تجسد ذلك في سيرة الصدر الأول من هذه الأمة عندما استمسك الناس بالقرآن المنزل على نبي الرحمة عليه أفضل الصلاة والسلام ، فلم تلبث القلوب المتنافرة أن اجتمعت وتوادت وتراحمت وتلاحمت حتى غدت كالقلب الواحد ، ولم تلبث الفئات المتدابرة المتناحرة أن تآخت وتعاضدت كأنها تحيى بروح واحدة وتفكر بعقل واحد حتى تكونت منهم خير أمة أخرجت للناس ، وقد امتن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بذلك على عباده بما أسبغه عليهم من هذه النعمة حيث قال : " واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ، وكنتم على شفا حفرةً من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون "(2) ، وامتن بذلك على نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام إذ قال له : " هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم"(3)، قد جمع الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بهذا القرآن بين فئات من البشر استحكمت من قبل فيها العداوات ، وتغلغلت فيها آثار التّرات والثارات ، حتى صار
(1) الآية رقم ( 54 ) من سورة ( فصلت ) .
(2) الآية رقم ( 103 ) من سورة ( آل عمران ) .
(3) الآية رقم ( 63 ) من سورة ( الأنفال ) .