الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ١١٨جاء القرآن الكريم بالشريعة السمحة التي لا يمكن أن تصدر إلا عمن يعلم السر وأخفى ، الذي أحاط علماً بالإنسان وطبعه ومساربه ومداخله ، وما تنطوي عليه فطرته ، وضرورة انسجامه مع بني جنسه ، وضرورة تواؤمه مع هذا الكون المترامي الأطراف الواسع الأرجاء، فجاءت شريعته الغراء مراعية هذه الجوانب كلها ، وقد جرب البشر الكثير من الشرائع والأنظمة البشرية، فلم يعودوا منها بشيء إلا الوبال والدمار ، وها هي الإنسانية تعاني ما تعانيه اليوم من هذه الأنظمة البشرية الفاشلة عن الفطرة التي فطر الله تعالى البشر عليها والشاذة عن سنة طبيعة هذا الكون ، لأنها صدرت عن فكر قاصر ونظر محدود، فمهما كانت التجارب والدراسات النفسية والاجتماعية التي نشأت عنها تشريعات البشر فإنها تبقى عاجزة عن حل مشكلات البشر ؛ ولا يمكن أن يُتوصل إلى ما يحل هذه المشكلات إلا بالرجوع إلى ما أنزله الله تعالى في كتابه ، وقد تجلى ذلك للناس ، وانطلقت ألسنة الجاحدين الملحدين لتعرب عن هذه الحقيقة التي أصبحت عند الكثير منهم من المسلمات ، حتى أن كاسترو وهو من كبار الملاحدة المعاندين ، وفي مقدمة الشيوعيين المتعصبين قال : لم يبق أمام البشرية إلا المنهج القرآني . فالمنهج القرآني وحده هو الذي سيحل بمشيئة الله مشكلات الإنسانية عندما تحتكم إليه ، فقد جاء القرآن بما يشفي الصدور ، وأخذت آيات الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - تتكشف للناس من خلال تجارب حياتهم ، بأن أي نظام آخر لا يصلح لهذه الإنسانية ، إذ لا يلبي مطالبها الفطرية وينسق بين ضروراتها الروحية والمادية إلا هذا النظام الإلهي الذي بهر الألباب بدقته وشموله ، وجاءت آيات الله تعالى في نظام هذا الكون تتكشف أيضاً يوماً بعد يوم لتثبت أن القرآن الكريم هو المرآة العاكسة لحقائق الوجود والسجل الحافل لأسرار الله في خليقته ، فإن نظام هذا الوجود بأسره يتراءى للناس من خلال دراستهم للقرآن ، ونظرهم إليه وفهمهم له