الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ١٥١شرَّف الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - الإنسان بأن سخر له الكون واختاره من بين مخلوقاته لأن يكون خليفة في الأرض ، وأهّله للقيام بمقتضيات هذه الخلافة ، ومن جملة ما يتميز به من مؤهلات الخلافة ، ما جعله الله سبحانه في طبعه من القدرة على أداء المعاني التي تجيش في ضميره ، فهو في تعامله مع نظام الكون لابد له من أن تخطر بنفسه خواطر متنوعة يمليها عليه اضطراره إلى التفاعل مع هذا النظام ، وإلى التعامل مع كل جنس من أجناس الموجودات ، بحسب طبائعها وما أودع الله في تضاعيف تكوينها من خصائص لا يستغنى عن فهمها وتدبيرها وفق ما جعل الله له فيها من مصالح ، وبحكم ضرورته إلى هذا كله جعل الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - طبعه طبع من يفهم ويدرك ويميز بين الأشياء ، وقد تجلى ذلك في تعليم الله آدم الأسماء كلها كما أخبر سبحانه ، وبذلك أظهر الله ميزته على الملائكة ، يقول - عَزَّ وَجَلَّ - : " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علّمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون "(1) ، ولا يمكن لهذا الإنسان أن يدرك أسماء هذه المسميات ليميز بينها ويتفاعل مع كل واحدٍ منها بحسب طبعه وخصائصه إلا بما جعل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - فيه من قدرة على البيان ، وقد امتن - عَزَّ وَجَلَّ - على الإنسان بهذه النعمة العظيمة والميزة الكبرى عندما قال : "الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان"(2).
(1) الآية رقم ( 30 ) من سورة ( البقرة ) .
(2) الآية رقم ( 1 – 3 ) من سورة ( الرحمن ) .