الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ١٥٢فنجد أن الله - عَزَّ وَجَلَّ - في فاتحة هذه السورة الكريمة ذكر اسماً من أسمائه الحسنى تتشوق النفس البشرية إلى مدلوله ، لأن مدلوله يتدفق بفياض الرحمة الكبرى التي تعم جميع الخلق ؛ سواء من كان أهلاً للخير أو من لم يكن له أهلاً ، لذلك شملت البرّ والفاجر والمؤمن والكافر ، وهي الرحمة الدنيوية التي بموجبها يعيش الناس في دنياهم بالخير ، فنال كل منهم نصيبه من الأرزاق والعافية والسلامة من الآفات والعاهات والأخطار والبلاوي ، ولولاها لما ذاق أحدهم في طعم الحياة لذة ولا لامس من لبوسها نعيماً ، وذلك لا ينافي كونهم محاسبين على هذه الرحمة مجزيين على التقصير في شكرها.
ثم ذكر تعليم القرآن ، لأنه في مقدمة نعم الله - عَزَّ وَجَلَّ - التي غمر بها البشري ، إذ هو الذي يأخذ بيد الإنسان إلى طريق الحق ويفتح بصيرته على جلية الأمر ، حيث يوقفه على ما في هذا الكون من حقائق ، ويميز له بين الحقيقة والوهم ، وبين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال ، وهو الترجمة الصادقة لنواميس الوجود ، والمرآة المصورة لنظام الحياة ، فتعليم الله - عَزَّ وَجَلَّ - عباده القرآن من أجل نعمه التي أفاضها عليهم.
ثم ذكر خلق الإنسان بعد ذلك لأنه أساس النعم ، إذ كل نعمة تترتب على وجود المنعم عليه ، ووجود الإنسان مترتب على خلق الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - له ، فلولا أن الله منّ عليه بخلقه لم يكن شيئاً مذكوراً ولم تلامسه أي نعمة.