الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٢٣٨أما الغاية العمرانية من خلال الوصية البالغة بالإحسان إلى الوالدين ؛ فإنها تتمثل في كون الناس خلقهم الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - بطبيعة الاجتماع ، إذ صفة البشرية البارزة هي الصفة الاجتماعية التي تشد الإنسان إلى الإنسان ، فبدون اجتماع الناس وتعاونهم لا يمكن أن ينمو العمران في حياتهم ، لأن كل واحد يكون مشغولاً بنفسه غير مكترث بغيره وغير ملتفت إلى ذي حق فيوفيه حقه.
أما عندما يتعاون الناس فإن ذلك التعاون يثمر في حياتهم العمرانية الثمرة المطلوبة ، وبداية تكوين المجتمع تكوين الأسرة ، فإنها هي نواة المجتمع ، وهي مجتمع أصغر والمجتمع هو أسرة كبرى، فبسبب هذا يكون قيام الإنسان بحق والديه منشأً لقيامه بحق أسرته ، والتفاته إلى ما لهم عليه من حقوق.
3- الآراء في حقوق الوالدين :
حقوق الوالدين كما يتضح لنا من خلال نظرنا إلى القرآن الكريم وسنة نبينا مُحَمَّد عليه أفضل الصلاة والسلام تفوق حقوق الناس أجمعين، وحق الأم أعظمها وهو متقدم على حق الأب، أما القرآن فلم يأت صريحاً بذلك ولكن جاء منبهاً عليه ومشيراً إليه ، فإنه عندما جمع الوالدين كليهما في الوصية بحقهما ؛ نبه على ما قدمته الأم من تضحيات جسام ?وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا?(1) ، فالحمل الذي حملته الأم كان كرهاً.
ولكن قد يتبادر إلى الذهن بأن الحمل لم يكن من أول الأمر كرهاً إذ كان في بدايته خفاً، فكيف وصفه القرآن بأنه كره ؟ والجواب عن ذلك بأن الحمل حتى في بداية مراحله يضعف الأم فهو على حساب صحتها ، ذلك لأن الاكتشافات العلمية دلت بأن الحيوان المنوي عندما يلتقي بالبييضة ويتم اللقاح ، تعود البييضة إلى جدار الرحم ولها خاصية حادة فتجرحه وينهمر منه دم غزير ليسبح في خضمه هذا الكائن من أول تكونه، وليمتص غذاءه منه.
(1) الأحقاف/15.