الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٢٣٩ولا يخفى ما في ذلك من مشقة عليها فإن دمها هو أغلى ما في جسمها إذ هو مناط قوته ومنبع صحته ، ومعنى ذلك أن هذا الذي ينتفع به الحمل إنما يكون على حساب صحتها ، فخالص دمها تغذي به جنينها من أول اللقاح، فينمو على حساب هذا الدم ويقوى على حساب صحتها ، فهي تضعف ويصح هو بهذا التغذي المستمر إلى أن تضع ، ثم مع ذلك كثيراً ما تلقى المشقة من معاناتها بآلام الحمل والوحم ، ولربما تستمر في معاناتها طوال أيامه ؛ فتتقيأ وتسعل ويصيبها الغثاء والدوران والألم.
ثم من بعد ذلك وضع الحمل هو ليس بالأمر الهين ، فعندما لقي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلاً يطوف بالكعبة وهو حامل أمه على ظهره، وقال له الرجل : يا رسول الله أتراني أديت حقها ؟ قال له : "لا ولا بزفرة واحدة"(1)، أي لم تقم بحق زفرة واحدة من زفرات الطلق عندما كانت تضعك ، فهكذا عظم حق الأم يتجلى من خلال هذا التنبيه الذي في القرآن الكريم على تضحياتها.
ومثل ذلك قوله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - : ?وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ? (2) ، أي كانت تهن وتضعف ويتوالى هذا الوهن حال حمله ?وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ? (3).
(1) على كثرة بحثي وجدت أن الذي رأى هذا الرجل هو ابن عمر وليس النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، انظر؛ تفسير الكشاف للزمخشري، آية 23 من سورة الإسراء، وتفسير السرج المنير للشربيني، آية 21 من سورة الإسراء، ومكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا، ج1 ص171، الجامع الأكبر، العريس للكمبيوتر.
(2) الآية رقم ( 14 ) من سورة ( لقمان ) .
(3) الآية رقم ( 14 ) من سورة ( لقمان ) .