الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ٢٤

، أو الليل والنهار لما فيهما من دواعي الاعتبار وبواعث الاستعبار ، فإن الصروف التي تأتي بها الأزمان إنما يفرزها تقلب الليل والنهار ، مهما يكن المراد بالعصر من هذه المعاني فإن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أقسم في هذه السورة به ، والمقسم عليه أن الإنسان في خسر ، إلا الذين جمعوا بين أسباب أربعة من استمسك بها فقد استمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ، وهي الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر ، وهذا يعني أن الإنسان ذكراً كان أو أنثى مسئوليته في هذه الحياة مسئولية جسيمة ، فهو يتحمل تبعة كبيرة ويضطلع بأمانة عظمى ؛ " إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا "(1) ، فبما أنه تحمل هذه الأمانة(2) جدير به أن يعرف كيف يكون أداؤها ، وكيف يتكيّف مع واقع الحياة وهو يتحملها ، فعليه أولاً أن يصلح نفسه بالإيمان الذي يشرق في النفس المؤمنة ليبدد

(1) الآية رقم ( 72 ) من سورة ( الأحزاب ) .

(2) قلت في كتابي "قصص الأنبياء" لا يزال مخطوطاً: (وهذا الأمر نجده في تحمل الأمانة، فالله تعالى حكى عن ذلك بقوله: ((إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا))، وهو عرض وتحمل تكويني على الجنس الآدمي، والأمانة تعني أداء ما هو مؤتمن عليه على وجه الحفظ وعدم التضييع، ومن الطبيعي أن الأجرام السماوية والأجرام الأرضية لا يمكنها أن تتحمل هذه التبعة، فهو رفض جبلي، رفض من لم يتهيأ للحمل، وأما الإنسان فقد ركب فيه قدرة تحمل الأمانة، وما تضييعه لها إلا بسبب ظلمه وجهله، ((إنه كان ظلوما جهولا)) وهنا الظلم والجهل ليس تعليلاً للدافع الذي أدى بالإنسان إلى حمل الأمانة، وإنما هو بيان لما سيحصل منه، فهو رغم قدرته التكوينية على التحمل إلا أنه قد يخيس في الأمانة نتيجة ظلمه وجهله.

٢٤ / ٣٩٩