الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٢٩٢وجاء في حديث أبي شريح الخزاعي عند البخاري أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن . قيل : من يا رسول الله ؟ قال : من لا يأمن جاره بوائقه"، أي من كان جاره لا يأمن غوائله فليس هو من الإيمان في شيء ، لأن عمله منافٍ للإيمان ، فإن الإيمان يترجمه ويصدقه الواقع ، وفي رواية عن الإمام جابر بن زيد عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة إلا من يأمن جاره بوائقه"(1)، وجاء في حديث أخرجه الإمام الربيع رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " ما زال حبيبي جبريل عليه السلام يوصيني بالمملوك حتى ظننت أن ابن آدم لا يُستخدم أبداً ، وما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه لا يخفى عليه شيء " ، وفي بعض الروايات " ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه "(2) ، وهو مما يدل على أهمية علاقة الجوار بين الجيران فهي كعلاقة الوالد بولده أو الأخ بأخيه حتى يكاد يكون بينهما التوارث، وفي رواية الربيع " حتى ظننت أنه لا يخفى عليه شيء "، أي لا يخفي جار عن جاره شيئاً مما عنده بل يعرض كل شيء عليه حتى يطلب منه في أي وقت ما تدعوه إليه حاجته فلا تكون بينهما كلفة ، وهذا مما يدل على أهمية الجوار، ووجوب المحافظة على حقه، ولا ريب أن في ذلك استجابة لداعي الفطرة ، فإن الجيران بتلاصق بعضهم ببعض هم أحوج ما يكونون إلى التعاون والتلاحم فيما بينهم، ومن المعلوم أن الإسلام يرعى ناحية الأسرة ولذلك أوصى بذوي القربى ، ولكن بجانب ذلك كله فإن القريب عندما يكون بعيداً عن قريبه ربما كان لا تيسير له أن يخدمه ويقضي له حاجته في كل وقت لأنه ليس بمقدوره في كل مرة يكون قريبه في ضائقة أن يأتيه ويحسن إليه ويرعى أحواله لبعد الشقة بينهما ، وإنما
(1) الربيع (959).
(2) البخاري ( 5668 ) ، مسلم ( 2624 ) .