الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٢٩٦حقوق الجيران حقوق جمة، وما دل عليه الحديث أن الجار لا يطالب بأن يكفَّ أذاه عن جاره فحسب ، بل يطالب أن يتحمل أذى جاره ، فمن كان له جار يؤذيه فلا يعامله بالمثل ، بل يطالب بأن يتحمل أذاه ، وذلك من حسن الجوار ، كما كان من الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نفسه عندما كان يحسن معاملة جيرانه اليهود مع ما هو معلوم من شأن اليهود من الإساءة إليه ، فقد كانوا يتربصون به الدوائر ، ويكيدون له المكائد ويضمرون له السوء ويبطنون الشر للإسلام وللمسلمين معاً ، ومع ذلك عاملهم الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من حيث الجوار بحسن المعاملة ، وقد جاءت روايات عن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وإن كانت لا تخلو من مقال إلا أن المسلمين تلقوها بالقبول وعملوا بها(1)، تفيد أن للجيران حقوقاً متعددة ، من ذلك أن جارك إن مرض عليك أن تعوده ، وإن مات أن تشيع جنازته ، وإن استقرضك أن تقرضه إن كان ذلك في وسعك ، وإن طلب منك حاجة أن تقضيها له ، وأن تواسيه في مصيبته وتشاركه في مسرته ، إلا أن العلماء استثنوا من هذين الأمرين الأخيرين ما إذا كان الجار كافراً وكانت مصيبته بسبب انتصار الإسلام وظهور الحق فإنه لا يواسى في مصيبته هذه إذ في المواساة توهين لأمر الإسلام ، فالجار إن كان كافراً أو فاجراً يساء بانتصار الحق وظهور كلمة الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - فلا تجوز مواساته ، وكذلك إن كانت مسرته بسبب انتصار الباطل على الحق وظهور الكفر على الإسلام فإنه لا يشارك في هذه المسرة ، لما فيها من الشماتة بالإسلام والمسلمين ، وإنما على المسلم أن يقف الموقف الواجب عليه
(1) تلقوها وعملوا بها بناء على أن كليات الشرع وعموم نصوصه تدل عليها، وهذا منهج محققي الأمة، وهو منهج يتجاوز مشكلة الإسناد التقليدية التي مني بها أهل الحديث إلى عرض الرواية على نصوص الشرع الثابتة وقواعده الكلية، وقد نبهنا على ذلك فيما سبق.