الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٣٤٣ومن الإنفاق ما يعد من الفروض اللازمة التي لا خيار فيها للإنسان ، ولذلك نرى في آية البر إنفاق المال مقترناً بالعقيدة مقدماً على سائر أعمال البر حتى الصلاة نفسها، وذلك في قوله تعالى : " ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب "(1) ، وليس ذلك مقيداً بالزكاة فحسب بدليل قوله من بعد : " وأقام الصلاة وآتى الزكاة " وفي هذا ما يدل على أن الإنفاق الواجب من المال لا ينحصر في الزكاة وحدها ، ومهما يكن فإن الإنفاق سواء كان من الزكاة أو من غيرها يربي الضمير الإنساني ، ويجعل الفرد يحس بأحاسيس مجتمعه ، يتألم بآلامه ويسر بسروره ، فيتجسد في المجتمع معنى حديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر " ، وقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "(2) ، وما أعظم سرور الأغنياء عندما يرون إخوانهم الفقراء ينعمون برغد العيش، ويرفلون في حلل النعيم بما أجراه الله لهم على أيديهم من رزق فيما آتاهم الله من مال ، فكانوا بذلك سبباً لسد حاجة إخوانهم بما يوصلهم إلى رضوان الله في الدار الآخرة ، وما ينالونه من مودة الناس في الحياة الدنيا ، وما أسعد أولئك الفقراء الذين يرون حاجتهم تقضى وخلتهم تسد على أيدي إخوانهم الذين استخلفهم الله في ماله ، ووسع عليهم من رزقه من غير منٍ ولا أذى ، ولا تعال ولا استكبار ، ومن غير أن يشعروهم بذل ولا صغار.
إن مجتمعاً هذا شأنه حقيق بأن يسوده التواؤم بين أفراده ، والتلاحم بين طبقاته، وإن أمة هذا دينها وهذه مبادئها لجديرة بأن تسود العالم وأن تقود الإنسانية ، وأن تكون رسالتها رحمة للعالمين.
(1) الآية رقم ( 177 ) من سورة ( البقرة ) .
(2) سبق تخريجه.