الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ٣٤٥

وكما ربط الله سبحانه بين التقوى ومطلق العبادة في قوله : " يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذي من قبلكم لعلكم تتقون "(1) ، خص الصوم بهذا الربط حيث قال : " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون "(2) ، وهذا الصوم ليس هو مجرد الكف عن المفطرات الثلاث المشهورة فحسب، ولكنه مع ذلك كف الجوارح واللسان عن قبائح الأعمال والأقوال، والتجرد التام من مذام الأخلاق والخصال، كما يقتضيه الحديث الشريف عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا صوم إلا بالكف عن محارم الله"(3)، وقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"(4)، وقوله: "الصوم جنة، فإذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم"(5) ، وفي هذه الأحاديث جميعاً تأكيد بأن الصوم المشروع هو الصوم الخالص من شوائب المعصية الصافي من أكدار القبائح ، ومما لا شك فيه أن تعويد النفس على هذا الالتزام بواجبات الإسلام وآدابه، ومراقبة الله في أحكامه وحدوده أثناء الصوم في شهر رمضان المبارك يجعل النفس تتعود هذه الفضائل والقيم ، وتستمر على هذه الخصال والأعمال في سائر العام حتى تكون كأنها من سجاياها التي جبلت عليها ، وبهذا يتحقق المراد من التقوى، وفي الحديث الأخير من الأدب الرفيع ما لا يقدر قدره ، ولا يحصر خيره، وكفى بما فيه من مطالبة الصائم باحتمال الأذى من الغير ، وعدم مقابلة الإساءة بمثلها ، فإذا تعرض لمكروه من أحد من الناس فليس له أن يثأر لنفسه ويطلق عليه يده ولسانه ، بل عليه أن يقول إني صائم ، ليؤدب بهذه القولة نفسه عن التطلع إلى ما تشتهيه من الانتقام ، وليذكر غيره بأسلوب غير

(1) الآية رقم ( 21 ) من سورة ( البقرة ) .

(2) الآية رقم ( 183 ) من سورة ( البقرة ) .

(3) الربيع (91).

(4) البخاري (1882).

(5) الربيع (330).

٣٤٥ / ٣٩٩