الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ٤٤

إن أثر المعصية أثرٌ وبيل ، فعلى الإنسان أن يفكر فيمن يعصي ، إذ المعصية ليست لأحد من مثله ، ولا لمن يمكن أن يكون نداً له ، وإنما هي معصية للملك الأعلى "الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى، وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى، فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى"(1)، "الذي تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيءٍ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم "(2) ، الذي منه المبدأ وإليه الرجعى ، وله الحمد في الآخرة والأولى، والذي وعد وتوعد ، وهو صادق في وعده ووعيده ، نافذ في بريته حكمه، لا تبديل لكلماته ، ولا معقب لحكمه ، ولا راد لقضائه سبحانه ، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن ، فإقدام الإنسان على معصيته إنما هو إقدام على أمر عظيم مهما رآه صغيراً " قتل الإنسان ما أكفره ، من أي شيءٍ خلقه ، من نطفةٍ خلقه فقدره ، ثم السبيل يسره ، ثم أماته فأقبره ، ثم إذا شاء أنشره، كلا لما يقضي ما أمره ، فلينظر الإنسان إلى طعامه ، أنا صببنا الماء صبا ، ثم شققنا الأرض شقا ، فأنبتنا فيها حباً، وعنباً وقضبا ، وزيتوناً ونخلاً ، وحدائق غلبا، وفاكهةٍ وأبا ، متاعاً لكم ولأنعامكم"(3)، فمن كان هذا شأنه هل يخطر ببال أحد أن يجترئ على معصيته؟! كيف يجترئ الإنسان على معصية من خلقه من ماءٍ مهين ؟! وطوّره طوراً بعد طور حتى أخرجه بشراً سوياً ، وخلع عليه نعمه ، وأفاض عليه كرمه ، فجعله سميعاً بصيراً، عليماً خبيراً ، مفكراً قديراً ، ثم مع هذا كله إليه وحده المنقلب ، وهو قد أمر ونهى، ووعد وتوعد ، ولابد من أن ينفذ في خلقه أمره ، وأن يصدق فيهم وعده ووعيده، فكيف يجترئ هذا الإنسان على عصيانه ؟! إن هذا لأمر عظيم.

(1) الأعلى/2-5.

(2) الآية رقم ( 44 ) من سورة ( الإسراء ) .

(3) الآية رقم ( 17 – 30 ) من سورة ( عبس ) .

٤٤ / ٣٩٩