الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٧٤ويؤيد هذا التفسير الحديث الذي أخرجه أحمد في مسنده وابن ماجة والترمذي وصححه ، والبيهقي والحاكم وصححه أيضاً ، وابن مردويه وابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهم ، من طريق أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء ، فإن هو نزع واستغفر وتاب صُقلت ، وإن عاد زيدت حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي ذكره الله في قوله: "كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون "(1) ، فهكذا القلب يصفه الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأنه عندما يذنب العبد الذنب تنكت فيه نكتة سوداء ، والقلب كما ذكرت كالمرآة يُشاهد الإنسان منه الحقائق النافعة والضارة ، ولكن عندما يقع في المعصية ، فإنها تحجب عنه المشاهدة بسبب النكت السوداء التي تعلو القلب حتى يظلم منها ، إلا أنه عندما يتوب وينزع عن معصيته تلك ، ويستغفر الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يصقل قلبه وتعود إليه الشفافية فتنكشف له الحقائق ، ولكن عندما يعود تعود، وعندما يستمر تعلو هذه النكتة القلب فتنتشر فيه حتى تغطيه وتحجب عنه النور، وعندئذٍ يكون الران ، وذلك الذي ذكره الله تعالى في قوله : " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون "(2) ، فإذن على الإنسان أن يتدارك نفسه قبل لات حين مناص، قبل أن يعلو الران قلبه وتُحجب الحقيقة عنه فتصبح في موازينه السيئة حسنة والحسنة سيئة ، وهذا لا يتنافى مع كون التوبة مقبولة عندما يتوب الإنسان إلى ربه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، ولو ارتكب ما ارتكب من المعاصي عندما تكون توبته صادقة وتكون قبل الغرغرة، فإن ذلك مما لا خلاف فيه، بل هو مما أُجمع عليه، وهو مما نص عليه، فإن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يدعو عباده الذين أسرفوا على أنفسهم ألا يقنطوا من رحمته ، ويعدهم بأنه يغفر
(1) الآية رقم ( 14 ) من سورة ( المطففين ) .
(2) الآية رقم ( 18 ) من سورة ( النساء ) .