السبق الإباضي في المنهج والفكر والتطبيق مصطفى بن محمد شريفي

السبق الإباضي في المنهج والفكر والتطبيق لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ١٠

الكلُّ لا يدخل مسجدا، ولا يقيم فريضة، ولا يحترم لله شعيرة. والكلُّ يشرب الخمر، ويأكل الربا، ويفجر بالأعراض …

فالمرء إذا غمغم بين شفتيه بكلمة التوحيد، تحصَّن وراءها، فأصبح يسيرا عَلَيْهِ ألاَّ يقوم إلى واجب، وألاَّ ينتهي عن مُحَرَّم.

وقد زعم هَؤُلاَءِ المغفَّلون أَنَّ الدين يَنُصُّ عَلَى ذَلِكَ! ألا ساء ما يصنعون!»(1).

وإذا كان هَذَا هو وضع المسلمين إبَّان تأليف الشيخ الغزالي لكتبه التصحيحية لمثل هَذِهِ المفاهيم الخاطئة، فَإِنَّنا اليوم نشهد ـ بحمد الله ـ صدى كبيرا لِهَذِهِ النداءات التصحيحية. وَالإِبَاضِيَّة قد سبقوا إلى المفهوم الصحيح للإيمان منذ نشأتهم.

ويقول محَمَّد قطب: « … أَنَّ معرفة الحقِّ المنزَّل من عند الله لاَ بُدَّ أن يكون لها مقتضى واقعيٌّ في حياة البشر، فهي ليست معرفة تُختزن في الذهن، إِنَّمَا ينبغي أن تتحوَّل إلى سلوك واقعيٍّ»(2).

2 - مسألتا الخلود والشفاعة:

• الفكرة والتطبيق: يعتقد الإِبَاضِيَّة والمعتزلة أن لا فرق في الخلود في النار بين الْمُوَحِّدِينَ والمشركين (من حيث الخلود لا من حيث دركات العذاب). بناء عَلَى الآيات الصريحة في الموضوع، والتي لا تفرِّق بين الصنفين، فَكُلُّ من دخل النار خالد مخلَّد فيها أبدًا.

• وجه السبق: كان أهل السُّنَّة يُعَدُّون هَذَا الاعتقاد من مثالب الإِبَاضِيَّة «الخوارج» وبدعهم المنكرة. ولكن لم يلبث أن قيَّض الله لِهَذِهِ الأُمَّة علماء وباحثين منصفين يعترفون بِأَنَّ القول بالشفاعة لأهل الكبائر مِمَّا يناقض تعاليم الإِسلاَمِ، ويلغي فائدة الحلال والحرام. ولنضرب لِذَلِكَ بأمثلة:

1 - الشيخ الغزالي: لم يستطع أن ينفكَّ بصورة نهائية عن معتقد أهل السُّنَّة، إِلاَّ أَنَّهُ اقترب من اعتقاد الإِبَاضِيَّة بنفي الشفاعة، إذ يرى الشيخ أَنَّهَا لا تَصِحُّ فيمن هو مثقل بالخطايا، وَإِنَّمَا هي في شأن من كان قريبا من النجاح، كما يقع في بعض الامتحانات، إذ يقول:

«يلغط عوام المسلمين بأحاديث واردة في شفاعة النَّبِيء - صلى الله عليه وسلم - لبعض العصاة.

وتعلُّق أولئك العوامِّ بأحاديث الشفاعة يخيِّلُ إليك أَن قوانين الجزاء بطلت، وَأَنَّ نيران الجحيم توشك أن تتحوَّل بردا وسلاما عَلَى عصاة المؤمنين.

وكثيرا ما يفرِّط هَؤُلاَءِ الجهال في الفروض، ويقعون في أوخم الذنوب، ثُمَّ يقولون: أُمَّة محَمَّد بخير!.

وَهَذَا مسلك ساقط.

ومحمَّد - صلى الله عليه وسلم - أَوَّل من يستنكره، ويحارب أصحابه، وينذرهم بِأَنَّهُم أصحاب الجحيم …

(1) عقيدة المسلم، ص131 - 132.

(2) ركائز الإيمان، الطبعة الثانية، دار الشروق، القاهرة، مصر، 1426هـ/2005م، ص94.

١٠ / ١٧