السبق الإباضي في المنهج والفكر والتطبيق مصطفى بن محمد شريفي

السبق الإباضي في المنهج والفكر والتطبيق لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٩

حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الاَخِرِينَ} (سورة الشعراء: 83 - 84). وللآخرة خير وأبقى.

ثانيا - نماذج من السبق في الفكر

أ- في العقيدة:

1 - ارتباط العمل بالإيمان:

• الفكرة: الإيمان: اعتقاد وقول وعمل. ومن ضيع أحدها فليس بمؤمن، وَإِنَّمَا يخرج إِمَّا إلى دائرة كفر النعمة إن كان منتهكا، أو إلى دائرة كفر الشرك إن كان مستحلاًّ.

• التطبيق: إِنَّ الإباضية منذ نشأتهم أخذوا بهذا الاعتقاد، ولم يفرقوا بين شتى مجالات الحياة، فلا فرق بين العبادات والمعاملات، فليس التدين علاقة بين العبد وربه فقط، بل هي ممارسة يومية في كل علاقات البشر، بينهم وبين الله، وبينهم وبين البشر، بل وسائر الكائنات. بناء على قوله تعالى: ﴿قُلِ اِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَآيْ وَمَمَاتِيَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 162)، فلا فرق بين ممارسة الشعائر الدينية، وبين الممارسة السياسية، والالتزام بالمبادئ والقيم الأخلاقية، ولا فرق في ذلك بين القوي والضعيف، ولا بين الحاكم والمحكوم … فالكل يجب أن يخضع لقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: 44)، ﴿فَأُوْلئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة: 45)، ﴿فَأُوْلئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة: 47)، غير أن هذه الأحكام (الكفر، الفسق، الظلم … ) تحتاج إلى ضوابط لا يتسع المقام لذكرها، ولكن من أهمها: أن هذه الأحكام دركات، منها ما يُخرج من الملة، وهو في حال الإنكار، ومنها ما لا يخرج من الملة، وهو الأغلب، وهو في حال الانتهاك دون إنكار.

• وجه السبق: لقد جرَّ هذا الموقف على الإباضية ـ منذ أول تاريخها (عهد الدولة الأموية والعباسية)، إلى ما تلاها من سياسات جائرة عبر العصور ـ متاعب جمَّة، من أهمها: اتهامهم بالخارجية.

هذا في حين كانت تآليف بعض المذاهب الإسلامية لا تركِّز كثيرا على مسألة ارتباط الإيمان بالعمل. إلا أنه صار اليوم من المسلَّم به اليوم لدى جميع الفرق والمذاهب أهمية العمل ووجوبه وعلاقته الوثيقة بالإيمان، وأنه لا يسوغ الاكتفاء بالاعتقاد والقول دون العمل(1).

وكمثال عَلَى ذَلِكَ خصص الشيخ الغزالي فصلا خَاصًّا لِهَذِهِ القَضِيَّة بعنوان: «العمل أساس الإيمان» امتدَّ 21 صفحة، وَمِمَّا قاله: «وكلمة الإيمان والإِسلاَمِ في نظر الشرع مترادفتان، أو متلازمتان»(2). وَهَذَا هو عين ما يعتقده الإِبَاضِيَّة ويركزون ويؤكدون عَلَيْهِ منذ أَوَّل نشأتهم إلى اليوم. ويضيف الشيخ: «بيد أَنَّ أعداء الإِسلاَمِ … دسُّوا عَلَى المسلمين من يصوِّر لهم الإِسلاَمَ كلمة لا تكليف لها، وأماني لا عمل معها.

وفي ظلِّ هَذَا الفهم المعوجِّ ترى المسلم واليهوديَّ والقبطيَّ يتعاشرون سنين عددا، فلا تستطيع أن تميز أحدهم من الآخر في شَيْء.

(1) ينظر على سبيل المثال مؤلفات أغلب الدعاة المعاصرين ومحاضراتهم، أمثال الشيخ الغزالي، والشيخ الشعراوي، والشيخ الزنداني والشيخ القرضاوي …

(2) الغزالي: عقيدة المسلم، دار الدعوة، الإسكندرية، مصر، الطبعة الرابعة، د. ت. ص122.

٩ / ١٧