السبق الإباضي في المنهج والفكر والتطبيق مصطفى بن محمد شريفي

السبق الإباضي في المنهج والفكر والتطبيق لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٤

• الفكرة: الحكم بما أنزل الله، والعدل، والشورى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجبات شَرعِيَّة، يجب عَلَى الجميع الالتزام بها.

• التطبيق: لم يحتج الإِبَاضِيَّة في معتقدهم ذَلِكَ إلى تأويل أيِّ آية من تلك الآيات الواردة في الأمر بتلك الواجبات المذكورة، ولم يفرقوا في تطبيقها بين الراعي والرعية، ولا بين جيل الصحابة ولا من بعدهم، ولا بين آل البيت أو غيرهم، ولا بين قريش وسواهم. فخطَّؤوا عثمان وعليا وأبا موسى الأشعري، بسبب مواقفهم المعروفة، حَتَّى اشتطَّ بعض علماء الإِبَاضِيَّة في حق أولئك الصحابة الكرام. كما انتقدوا الإِبَاضِيَّة كُلَّ الحكَّام الجورة في الدول المتعاقبة عَلَى الأُمَّة الإِسلاَمِيَّة، ابتداء بمعاوية وعمرو بن العاص، وواجهوهم باللسان حينا، وبالسنان في أحيان أخرى، مِمَّا سبَّب لهم عنتا كبيرا، ومن أبرزها: تصنيفهم من فرق الخوارج، وتطبيق حديث المروق في حق الإِبَاضِيَّة، وهم من ذَلِكَ برءاء.

• وجه السبق: برز التأويل السياسي للنصوص القُرآنِيَّة في أوضح صوره لدى الشيعة، الذين أوَّلوا عِدَّة نصوص قُرآنِيَّة، لتوافق ما يعتقدونه من أحقية الإمام علي في الخلافة قبل سابقيه من الخلفاء الراشدين. كما كان أهل السُّنَّة يؤولون نصوصا أخرى تأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليُفسح المجال واسعا أمام الروايات الآحادية التي تدعو إلى الخنوع والاستسلام للطغاة، مهما تجبَّروا وانحرفوا عن طريق الإِسلاَمِ. واليوم ـ لاسيما بعد الثورات العَرَبِيَّة ـ يكاد مثل هَذَا التأويل السياسي لا يجد له مكانا في عقول كثير من المنصفين المتحررين من أسر التقليد.

• العبرة: نظرا لمثل هَذِهِ الانحرافات في التأويل فقد اشترط الإِبَاضِيَّة للتأويل عِدَّةِ ضوابط، أهمُّها: الاعتماد عَلَى ما ثبت استخدامه لدى العرب الأصلاء. وبالتالي لا تقبل التأويلات التي تلوي أعناق النصوص لتلائم معتقد المذهب واجتهادات علمائه، أو أهواء الساسة والحكام والسلاطين الطغاة منهم. ومنها: أن لا يناقض التأويل مبادئ الشرع، والآيات المحكمات.

ب- منهج التعامل مع السنة:

1 - العرض على القرآن:

• الفكرة: القرآن هو المصدر الأَوَّل من مصادر التشريع، وهو الذي يجب التحاكم إِلَيْهِ، اعتمادا عَلَى قوله تَعَالىَ: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُومِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً﴾ (سورة النساء: 59)، وَعَلَى ما رواه الربيع بن حبيب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال: «إِنَّكُمْ سَتَخْتَلِفُونَ مِنْ بَعْدِي، فَمَا جَاءَكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَمَا وَافَقَهُ فَعَنِّي وَمَا خَالَفَهُ فَلَيْسَ عَنِّي»(1).

• التطبيق: التزم الإباضية بهذا المنهج في أغلب تآليفهم، لاسيما العقدية منها، فلم يقعوا فيما يناقض صريح القرآن الكريم اتباعا لروايات اعتبرها المحدثون صحيحة، نظرًا لأنها مروية في البخاري ومسلم أو غيرهما، فقدَّموها على القرآن الكريم، فوقعوا في تناقضات، وإشكالات عويصة. في حين قد عَدَّ بعض المحدِّثين حديث العرض على القرآن بأنه من وضع الزنادقة، وردَّد بعض معاصريهم(2) هَذَا الكلام دون وعي لخطورة عدم الالتزام بمنهج العرض

(1) الحديث صحيح عند الإِبَاضِيَّة. رواه الربيع بن حبيب، بَاب [6] فِي الأُمَّةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -، حديث رقم: 40، ص36

(2) نقل الألباني مقولة: إِنَّهُ باطل من وضع الزنادقة. ينظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة، رقم: 6302، 13/ 657 - 664.

٤ / ١٧