السبق الإباضي في المنهج والفكر والتطبيق مصطفى بن محمد شريفي

السبق الإباضي في المنهج والفكر والتطبيق لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٥

عَلَى القرآن.

ومن أمثلة ذلك ما يأتي:

1 - حديث أم حرام، والذي جاء فيه أَنَّ النَّبِيء - صلى الله عليه وسلم -، رواية دخوله - صلى الله عليه وسلم - على أمِّ حرام زوج عبادة بن الصامت لتطعمه، وينام عندها، فتفلي رأسه، فيبشِّرها بغزوها مع أَوَّل جيش يركب البحر(1)، بقيادة معاوية، هذا مع أنَّ المرأة أجنبيَّة عنه، فهي رواية مناقضة لتعاليم القرآن وَالسُّنَّة مناقضة صريحة. وهذه الروايات ـ كما نلاحظ ـ لا تخلو من غرض سياسيٍّ، وهو إضفاء الشَّرعِيَّة على حكم الأمويِّين المطعون فيه. وقال عبد الجواد ياسين وقال ياسين معلقا على هذه الرواية: «فلا شك في أن ذلك مخالِفٌ لتعاليم القرآن التي لم يخالفها النبي - صلى الله عليه وسلم - قط، كما تشهد بذلك سنته العملية التي أثبتها البخاري نفسه وسائر أصحاب السنن، والتي تقطع بأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يمس امرأة لا تحل له، وأنه كان يأخذ بيعة النساء شفاهية بغير مصافحة»(2).

2 - حديث رضاع الكبير الذي رواه مسلم(3): ونصه كالآتي: «جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ وَهُوَ حَلِيفُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: أَرْضِعِيهِ، قَالَتْ: وَكَيْفَ أُرْضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ؟! فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ. زَادَ عَمْرٌو فِي حَدِيثِهِ: وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -». ونلاحظ وكأن شهود غزوة بدر يعفيه من الأحكام الشرعية!. كما نلاحظ أيضا أن أحد الرواة - وهو عمرو بن محمد الناقد - إمعانا منه في ادعاء الدقة والحرص على نقل الحديث بحرفيته أشار إلى رواية «فضحك … » بدل: «فتبسم»، وَكَأَنَّ هذه أَوَّل مَرَّة يُروى فيها الحديث بالمعنى!. وقد تكلف علماء الحديث (منهم ابن قتيبة) في تأويلاته واحتمالاته البعيدة، والتي من المكن أن لا تنتهي؛ لأنها لا تحتكم إلى ضوابط محددة، مما يفتح الباب أمام الإباحيين لتفسيره بما يأباه الإسلام بتعاليمه السامية. كل ذلك فرارا من القول بعدم صحته، بدعوى أنه صحيح بالمنهج الإسنادي التقليدي، رغم مناقضته الصريحة للقرآن الكريم وللأخلاق الإسلامية. وقد ناقشه عبد الجواد مناقشة علمية بينت ما فيه من خلل ومناقضة للعقل والمبادئ الإسلامية العالية، وما يؤدي إليه من «التشكيك في نصاعة هذا الدين، وبراءته مما يناقض الحق والخير والأخلاق»(4). وقال بعد إيراده تخبطات شراح الحديث في تأويلاتهم المتكلفة لنصوص من الصحيحين: «فقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك، أن بالبخاري ومسلم أحاديث لا يمكن التسليم بصحة صدورها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا مع التضحية بسمعة هذا الدين»

(1) رواه الشيخان، ونصُّه عند البخاري: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -[يَوْمًا] فَأَطْعَمَتْهُ وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ ـ أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ شَكَّ إِسْحَاقُ ـ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهمْ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -. ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ ـ كَمَا قَالَ فِي الأَوَّلِ ـ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: أَنْتِ مِنْ الأَوَّلِينَ. فَرَكِبَتِ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ». البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء، رقم: 2636، 3/ 1027. ومسلم: كتاب الإمارة، باب فضل الغزو في البحر، رقم: 1912، 3/ 1518.

(2) عبد الجواد: السلطة، 1/ 269.

(3) مسلم: كتاب الرضاع، باب رضاعة الكبير، رقم: 1453، 2/ 1076.

(4) عبد الجواد: السلطة، 1/ 285.

٥ / ١٧