السبق الإباضي في المنهج والفكر والتطبيق لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٦2 - منهج نقد المتن إلى جانب نقد السند:
• الفكرة: لا يكفي للأخذ بالأحاديث الآحادية صِحَّة سندها، بل يجب النظر في متنها، ومدى موافقته لمبادئ الإسلام، ولحقائق العلم (لاسيما العلم الحديث)، ولحقائق التاريخ، فإذا خالفها فلا عبرة بِصِحَّةِ السند، كائنا من كان راويه.
• التطبيق: طبَّق الإِبَاضِيَّة هَذِهِ الْمَنهَجِيَّة (نقد المتن) عَلَى كثير من الأحاديث، لاسيما ما يَتَعلَّقُ منها بالعقيدة؛ حَتَّى اتُّهموا بإنكار السُّنَّة، وعدم اعتماد الكتب الصحاح كالبخاري ومسلم أو غيرهما، وَهَذَا غير صحيح بطبيعة الحال؛ لأَنَّ الإِبَاضِيَّة يعتمدون عَلَيْهَا كُلِّهَا، إِلاَّ إذا كانت ضعيفة السند، أو كان متنها منافيا لتعاليم الدين ومبادئه …
• وجه السبق: اهتم علماء الأحاديث أساسا بنقد السند، رغم اعترافهم بضرورة نقد المتن أَيضًا، إِلاَّ أَنَّ إعمالهم للعقل وللمبادئ الكُلِّيَّة في المتن كان ضعيفا. ثُمَّ جاء كثير من الباحثين المعاصرين يدعون إلى ضرورة الاهتمام بنقد المتن، وهم كثيرون، منهم د. طه جابر العلواني، الذي يقول: «لقد اعتُبِرت منهجية الإسناد قمة لا تعلو عَلَيْهَا مَنْهَجِيَّة أخرى فيما يَتَعلَّقُ بتصحيح السُّنَّة النَّبَوِيَّة … وبالتالي فإذا صَحَّ السند فينبغي أن ينقطع كُلُّ حديث عَمَّا عدا ذَلِكَ. وكان الأمر يقتضي أن تعطى لمقاييس نقد المتون ـ وهي مقاييس مَعْرِفِيَّة دقيقة، أسسها علماء الحديث أنفسهم ـ فرصة التكامل مع مَنْهَجِيَّة الإسناد، لتنفتح آفاق التفكير عَلَى السُّنَّة النَّبَوِيَّة لا باعتبارها نصوصا مجزَّأة»(1). هَذَا نموذج واحد من الدعوات المتكررة إلى نقد المتن.
والأمثلة عَلَى نقص الاهتمام بنقد المتن كثيرة:
- منها روايات مخالفة لحقائق التاريخ، منها ما جاء في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ وسلم - قَالَ: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالأَعْمَاقِ أَوْ بِدَابِقٍ [قرب حَلَب]، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الأَرْضِ يَوْمَئِذٍ، فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَتِ الرُّومُ: خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ، فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لاَ وَاللَّهِ، لاَ نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا، فَيُقَاتِلُونَهُمْ فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لاَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ، وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ لاَ يُفْتَنُونَ أَبَدًا، فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ إِذْ صَاحَ فِيهِمُ الشَّيْطَانُ: إِنَّ الْمَسِيحَ [أي: الدجال] قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ فَيَخْرُجُونَ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِذَا جَاءُوا الشَّأْمَ خَرَجَ فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ - صلى الله عليه وسلم - فَأَمَّهُمْ، فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ [الشيطان أم الدجال؟!] ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، فَلَوْ تَرَكَهُ لاَنْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ [الدجال أم الشيطان؟!]، وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبَتِهِ»(2). وهذه الرواية تفترض بقاء الروم عدوا أبديا للمسلمين، وأنهم موجودون بالمدينة وما حولها. هذا فضلا عن أنها تناقض الواقع التاريخي، ففيها تصريح بأن المسيح الدجال وعيسى بن مريم الذي يقتله، يأتيان قبل فتح القسطنطينية، فها قد فتحت القسطنطينية منذ قرون، ولم يحدث قبلها ولا أثناءها شيء مما ذكر إطلاقا! ولم يكن الفتح على يد جيش من المدينة، ولم ينقسم على ثلاثة، ولم يعلقوا سيوفهم على الزيتون، و «لم يصرخ فيهم الشيطان، ولم يظهر الدجال، ولم ينزل المسيح، وبالتالي فهو لم يؤمهم في الصلاة، ولم يقتل الدجال بيده، ولم يرهم حربة ملوثة أو غير ملوثة بالدماء»(3). والعجيب أن شراح الحديث لم يتطرقوا إلى هذه
(1) طه جابر العلواني: نحو مَنْهَجِيَّة مَعْرِفِيَّة قُرآنِيَّة، ص195.
(2) مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، بَاب فِي فَتْحِ قُسْطَنْطِينِيَّةَ وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ وَنُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، رقم: 2897، 4/ 2221.
(3) عبد الجواد: السلطة، 1/ 311 - 312.