السبق الإباضي في المنهج والفكر والتطبيق لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٨لا يجوز سبُّ الصحابة مطلقا، وبأي مبرر من المبررات(1)، ولكن لا يعني هَذَا أن نعرض عن اتباع المنهج القرآني في تقويم مواقف أولئك البشر غير المعصومين. وفرق بين أن نبحث في استلهام العبر مما وقع بينهم وبين أن نرفعهم فوق البشرية، وننزههم عن كل نقيصة. فهذا صحابي يقر بأنه زنى فيقيم عَلَيْهِ رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الحدَّ، والآخر يقر بأنه بات مع امرأة يقبلها ثم صلى الفجر مع النبيء لينزل بعد ذَلِكَ قَوله تَعَالىَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (سورة هود: 114). وهذا خالد لما قال له بعض الأقوام: صبأنا فجعل يقتلهم، حتى قال الله: اللَّهُمَّ إِنِّي أبرأ إليك مِمَّا فعل خالد … وهلم جرا.
• التطبيق: طبَّق الإِبَاضِيَّة مبدأ الولاية والبراءة في حقِّ كُلِّ الناس، ولم يفرِّقوا بين صحابيٍّ وغيره، وكتبوا في ذَلِكَ عِدَّة كتب، من أبرزها: كِتَاب التخصيص في الولاية والبراءة لأبي بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي (ت: 557هـ). وَهَذِهِ المواقف النابعة من تطبيق أحكام الله المنصوص عَلَيْهَا في الكِتَاب وَالسُّنَّة كَذَلِكَ جرَّت عَلَى الإِبَاضِيَّة انتقادات لاذعة بدعوى أَنَّ الإِبَاضِيَّة يبغضون الصحابة، وهي دعوى باطلة لا توافق الواقع؛ لأَنَّهُم إِنَّمَا تَكَلَّموا فيمن تعمَّق في الفتنة، كما قال النَّبِيء - صلى الله عليه وسلم -: «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ مَنْ وَرَدَ شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا وَلَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ»، وفيه زيادة: «إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي»(2).
• وجه السبق: يدعو اليوم عِدَّة باحثين لخلع ثوب القداسة عن الصحابة، وضرورة إعادة النظر في مواقفهم، ووزنها بموازين الشريعة، وموازين السياسة، دون سبٍّ ولا شتم، وَإِنَّمَا لأخذ العبر. فَهَذَا الدكتور عدنان إبراهيم يخصص محاضرات مطوَّلة لبحث مواقفهم، منها حوالي 30 حلقة حول معاوية فقط(3). وَهَذَا أبو بلال عبد الله الحامد يخصِّص للموضوع عِدَّة كتب، منها كِتَاب بعنوان: «هل نكف علم السياسة عَمَّا شجر بين الصحابة؟». ومنها: «السلفية الوسطى: سلفية العدل عديل الصلاة، لا سلفيات الاستسلام للطغاة ما أقاموا الصلاة، مقاربة لتصفية المقياس السلفي من غبار الصياغات العَبَّاسِيَّة والمملوكية والعثمانية»(4). ومنها عِدَّة تصريحات من الباحث الدكتور عبد الجواد ياسين في الجزء الأَوَّل من كِتَابه القيم: «السلطة في الإِسلاَمِ، العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ». ومحمَّد هاني ساعي في كِتَابه القيم: «القانون في العقائد»(5)
• العبرة: أن لا أحد يعلو عَلَى النقد، فإذا كان الصحابة لم يسلموا من النقد فَإِنَّ عَلَى كُلِّ من يَتَوَلىَّ مسؤوليَّة مهما تكن، وفي أي منصب من المناصب أن لا يستنكف عن قبول الحق مِمَّا جاءه به، وانتقده عَلَيْهِ. وَأَنَّ عَلَيْهِ أن يعتقد بِأَنَّ التاريخ لا يرحم، فهو يسجل المواقف السَّيِّئَة والحسنة، وَأَنَّ عَلَى المرء أن يترك لنفسه ذكرا حسنا، ينال به صالح دعواتهم، ويستلهمون منها قدوة حسنة، كما دعا سَيِّدنَا إبراهيم - عليه السلام -، بِذَلِكَ حين قال: {رَبِّ هَبْ لِي
(1) إذا كان الله تَعَالىَ ينهى عن سبِّ المشركين، في قَوله تَعَالىَ: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (سورة الأنعام: 108)، فكيف بمن سواهم من المؤمنين مِمَّن صحب النَّبِيء - صلى الله عليه وسلم -؟.
(2) رواه الربيع والشيخان، واللفظ لمسلم. الربيع: بَابٌ فِي الأُمَّةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حديث رقم: 42، ص36. البخاري: كِتَاب الفتن، باب ما جاء في قَول الله تَعَالىَ: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ (سورة الأنفال: 25)، رقم: 6643. مسلم: كِتَاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا وصفاته، رقم: 2291.
(3) يمكن تحميلها من موقعه وغيره.
(4) سلسلة: إصدارات مكتبة ثقافة الدستور والمجتمع المدني الإِسلاَمِيِّ، الطبعة الأولى، 1430هـ/2009م، 232ص.
(5) خصص لهذا الموضوع الصفحات: 66 - 74.