العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ١٨٤و بهذا ونحوه قام النهروانيون بإمامة جديدة ، فرأى الأشعث و سيده معاوية أن الخطر هنا وقف ، و أنَّ عليا انحلَّ أمره ، و انتهى دوره ، فلم تعد له سلطة يقوم بها ، و إذ ذاك نسجوا المكيدة للقضاء على هؤلاء ؛ لأنَّهم أهل الغيرة على الحقَّ ، و من غَيْرَتِهِمْ خروجهم إلى النهروان ، و انيحازهم هناك لا سيما عندما شاع أنهم بايعوا عبدالله بن وهب الراسبي ، و أنهم يزيدون كل يوم ، خافوا استفحال خطبهم ، فلم يزالوا يتآمرون عليهم ، ويعملون المكائد التي يتوصلون بها إلى القضاء عليهم ، و عندما تَمَّتْ لهم هجموا عليهم في صلاتهم ، فقضوا عليهم ، ولما انتهى أمر النهروان نجح معاوية في سياسته ، و تَمَّ له ما أراد .
و تبين لعلي الغرض ،و لكن ماذا يفعل، و الأمر قد انقضى ؟، فطلب منهم [132] النصرة على عدوه فلم يجدها ، و امتلأت القلوب عليه حِقْداً من نواحي عديدة أهمها:- خلع الإمامة إلى الحكمين ، و ثانية قتله أهل النهروان الذين فَرُّوا إلى الله بدينهم ، غير مَاسِّين بعرض علي ، و لا جارمين عليه بشيء ما ، إلا أنَّهم خرجوا عنه فبايعوا إماماً غيره ، و هنا ظل صرح إمامة علي يتدهور و ينهار ، حتى قام له عبد الرحمن بن ملجم المرادي(1) من أهل مصر فقضى عليه ، فقامت قيامة اللعن ، و السب ، و الشتم على النهروانيين ، و ملئت الكتب بالقدح فيهم ، و في من يقول فيهم كلمة خير ، أهكذا الحق ؟!، أهذا من الإيمان ؟! ، أهكذا يرضى الله في عباده ؟! .
(1) عبد الرحمن بن ملجم المرادي الحميري (ت40هـ)فاتك ثائر ، من أشداء الفرسان ، أدرك الجاهلية ، وهاجر في خلافة عمر ،وقرأ على معاذ بن جبل فكان من القراء وأهل الفقه والعبادة ، شهد مع علي صفين ،ثم خرج عليه ،وهو الذي قتل علي بن أبي طالب ، كمن له عند صلاة الفجر فضربه ضربة سيف مسموم فمات بعد فترة ، وقتل بعد موت علي بن أبي طالب . الاعلام ( 3/ 339)