العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ١٩٢و من كلامه لهم ، يقول في معرض التهديد: " أما أنكم ستلقون بعدي ذلاً شاملاً ، و سيفاً قاتلاً ، و أثرة يتخذها الظالمون بعدي عليكم "، و هو يشير بهذا إلى معاوية و أعوانه من الأمويين ، و المعنى إنِّي علمت أنكم لا تراعون الحق ، و لا تختارون أهله ، و لا تقلون الصدق، و لا ترضون به بدلاً من الباطل ، إذ كنتم تحرضوني على قتال النهروانيين ، و تقولون بعدما نقضي عليهم نتوجه لحرب معاوية، فمالكم وقد بلغتم مرادكم في النهروانيين تتثاقلون عن معاوية و أهل الشام ، و هم الذين أشار إليهم بقوله:- " الظالمين "، و أنهم سيفرقون جماعتكم و تبكي عيونكم ، و يدخل الفقر بيوتكم ، فتتمنون و الله عندها لو رأيتموني " إلى أن انتهت الخطبة على هذا الوضع مشحونة بالتأنيب و التوبيخ والتقبيح ، إلى أن اعترضه الأشعث بن قيس قائلاً : " فَهْلَّاَ فعلت مثل ما فعل عثمان ؟ "، قال له علي:- " و يلك أفكما فعل عثمان رأيتني أفعل عائذاً بالله من شر ما تقول ، و الله إن الذي فعل عثمان لمخزاة على من لا دين له ، و لا حجة معه إلى آخر ما أجابه به "(1) .
و المعنى أنَّ ما فعل عثمان كله فساد و ضلال ، و أمَّا ما فعله من تغير سنة رسول الله – صلى الله عليه و سلم – فهو ضلال ، و أما ما فعله من كونه حصر و اقتحموا عليه سور بيته ، فإن كان مُحِقٌّ فقد ترك الدفاع عن نفسه وحرمه، و ليس له ذلك شرعاً ، و إن كان غير محق فالأمر أشد .
و لما رأى أنَّ القوم مائلون إلى أمرة معاوية و طاعته وتحقق ذلك قال لهم:- " لا تكرهوا إمرة معاوية، فإن إمرته سلم [140] وعافية "، أي لا ينافسه أحد ، لأنَّكم منذ الآن و أنتم مائلون إليه ، تاركون لإمامكم قبل أن يترككم .
(1) الإمامة والسياسة (1/130-131)