العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٤٢٤و لا يخفى أن السيرة التي كان عليه رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – و أبو بكر و عمر – رضي الله عنهما – اختلفت آخر أيام خلافة عثمان ، وإن المنكرين عليه إنما طالبوه بتلك السيرة ، فما زال يماطلهم و الأحكام مضيعة ، ثم طلبوا منه أن يعتزل أو يعدل فأبى عليهم ، و كلهم يداً واحدة عليه إلا ما كان من خاصته و خدامه ، وكان أكثرهم من الخدام ، فحاصره طويلاً و لا منكر له لما قدمنا من أنهم كانوا عليه يدا واحدة ، وهم بين راض و بين آمر و بين فاعل ، ثم قدموا علي إماماً على السيرة الغراء ، فخرج معاوية عليه بعدما خرج عن طاعته خوفا على ولايته التي رسخت أقدمه فيها ، وخشي عليها أن تسلب ، و وازره عمرو على ذلك بعد أن اشترط عليه ما اشترط ، ولبسوا على الناس أنهم يطالبون بدم عثمان ، ثم نكث طلحة و الزبير بيعة علي بن أبي طالب ، وبسبب ذلك كانت بين المسلمين وقعة الجمل أعظم وقعة عرفها الإسلام ، ثم سار إلى معاوية و المسلمون له موازرون ومناصرون ، فكانت وقعة صفين أخت الجمل ، وفي أثنائها خدعوه بطلب التحكيم حين رأوا الدائرة تدور عليهم ، وسيوف المسلمين تعمل فيهم ، و زينوا له ذلك ليفتكوا من الأصر الذي وقعوا فيه ، فتنازل [366] لطلبهم ، وخضع لرغبتهم ، فأعطى على ذلك العهود والمواثيق ، وإمامته واضحة و سيرته نيرة ، و طريقه صالحة ، و حجته راجحة فأنكر عليه أصحابه ذلك ، ورأوا أنها المكيدة الفعالة ، و البالية المهلكة دينا و دنيا .
فطلبوا منه الثبات على تلك السيرة الواضحة ، و الطريقة الصالحة ، و أمروه بالتمسك بقوله تعالى :" فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ "(1) فأبى عليهم ظان أنه باق على إمامته ، و إن المسلمين لا يرضون غيره بحال الذي هم عليه معه من سالف أيامهم ، و الرجل مخدوع ، ومغتر بمنزلته من المسلمين .
(1) الحجرات : 9 .