العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٤٣٧و حيث علمت أن العقل لا يقبل ما يقوله هؤلاء المبدلون المتهوكون الذين لا يثبتون لا على مقتضى الأوامر الإلهية ، و لا يهتدون الطريقة المحمدية ، و قد علمت مقتضى حديث الافتراق ، و أنه حكم بالنجاة لفرقة واحدة و هي التي ثبتت على كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه و سلم ، و جعل باقي الفرق كلها هالكة لمخالفتها الكتاب و السنة ، و على ذلك ثبت الإجماع الصحيح الذي أيد الرسول – صلى الله عليه و سلم - فيما قال .
و إن العقل لا يقبل غيره ، و لا يصح أن يحرم الله شيئاً و يثيب على فعله ، و إلا كان ذلك نقضاً لقواعد الشريعة من أصلها ، و تبديلاً لها عن فصلها .
ثبت أن الاعتقاد لحل ذلك الأمر لا يزيده إلا تحريماً ، و لا لفاعله إلا تضليلاً ، لأن المستحل خالف الشرع من جهتين : أولى استحلاله لما حرم الله عز و جل ، و الثانية فعله لذلك الذي استحله ، و قد حرمه الله عليه فهو مخالف له عز و جل من الجانبين ، فجرمه أعظم ، وفعله أكبر ، و لا مناص و لا خلاص مما وقع فيه إلا برجوع عنه ، و التخلي منه ، و التوب إلى الله عز وعلا من جرمه .
و على كل حال أن الفاعل لما استحل مما حرمه الله متقرب إلى الله بما يبعده منه ، و يزيد في ضلاله به ، ومن تقرب إلى الله عز و جل بمثل ذلك فلا يزداد من الله إلا بعدى ، و لا يستحق منه إلا النقمة ، و العياذ بالله من عقابه ، فكيف يكون له عذر بذلك ، وقد سقط في تلك المهالك ، و كيف يكون له بذلك حسن قصد عند الله و هو مرتكب للضلال [382] [ سقط مقدار ثلاث صفحات ] فهو يعتقده كذلك ، و كذا سائر المحرمات من الزنا و نهب الأموال و معاملة الربا و نحوها ، مما حرمه الله على لسان أحد أنبيائه – عليهم الصلاة والسلام - .
فهذا على الحقيقة من الأوهام الواهية ، والتخيلات الباطلة لا يعتمد عليه إلا فاقد الشعور ، و لا يرضى به إلا كل ختار كفور .