العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٨٤كان يرى أنَّ الخلافة أهم مرافق الدولة ، و أعظم مظهر للأمة ، و أقوى سلطة تشرف على تنفيذ أوامر الله ، و تطبيق أحكام الكتاب و السنة ، الذين هما المصدر الصحيح لأحكام الله عز و جل ، و هي بهذا المظهر ، و على هذا النحو لا يمكن أن تخضع لنظام و رأي أبداً ، و لا أن ترتبط بجنس ، أو قبيلة ، أو أسرة ما ، أو لون أيضاً "(1)، لأنَّ الخلافة المقصود منها بالذات ، وضع الحقِّ في مواضعه ، و إعادة أوامر الشريعة حيث أمر بها الشرع .
" و إنما يشترط فيها الكفاءة المطلقة "(2) ؛ لأنَّ الله عز و جل أشار إلى المقصود فيها بالذات بقوله : " إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ "(3) و المطلوب هذان الشيئان ، بل هما دعامتاها، و هما : الكرم بجميع معانيه ، و التقوى وهي الأصل الذي لا تصح بدونه خلافة ما أبداً ، فإذا لم يكن هذان الأصلان ثابتين فيها فعليها العَفَاء ، لم تغن القُرَيْشِية وحدها، و ربما أغنى عنها التقوى .
و لا يخفى على كل ذي عقل أن التقوى رُوحُ [58] الإيمان ، فإذا لم تكن تقوى فلا إيمان إجماعاً ، و إذا حصلت الكفاءة المطلقة ديناً و خلقاً ، و عملاً ، و عقلاً ، فقد حصلت الخصال المطلوبة فيها ، المشترطة لِصَحَّتِهَا ، و قامت حجتها على المسئولين عنها ، الذين تلزمهم عند حصولها ، فإذا كانت في فريق من الناس فقد حصلت ؛ لأن تحمل عبء الأمة ، و تقوم بما يجب في الإسلام القيام به .
و ما القُرَيْشِية ، أو الهَاشِمِّية ، أو العَرَبِية إلا من وسائل الترجيح ، و هي كمالية فقط عندنا ، فإنَّ المفاضلة أو الأولوية أشياء اختيارية عند حصول الكمال، أما ما سوى ذلك فلا حساب له في نظر الشرع ، الذي جاء لدرء المفاسد ، و جلب المصالح في الأمة .
(1) الإباضية في موكب التاريخ ( 1/ 63) الحلقة الأولى .
(2) المصدر السابق .
(3) الحجرات : 13 .