في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١٠٥

ثمّ يصف حالتهم كيف نهضوا بكيفيّة من الغضب والسخط: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُم﴾ وقد قالوا من قبل: ﴿اَجَعَلَ الاَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا اِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ويصفهم تعالى كيف قال بعضهم لبعض: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىآ ءَالِهَتِكُم﴾ وهنا التصوير الفنّي البديع لحالة قوم كانوا جالسين وهادئين لا بأس عليهم، وبمجرّد أن سمعوا هذه الكلمة؛ نهضوا كلّهم مهتاجين غِضَابًا بكيفيّة عبّر عنها القرآن الكريم بقوله: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُم﴾ يعني نهضوا مستعجلين يقول بعضهم لبعض: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىآ ءَالِهَتِكُم﴾ هيّا فليس في هذا خير يُرتجى، ولن يوافقنا في شيء، تمسّكوا بدينكم، واصبروا على آلهتكم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ يعني أنّ هذا الأمر له ما بعده، والنكرة هنا للتعظيم؛ أي أنّ هذا يقصدنا لأمر عظيم جدا، يريد أن يفرّق جمعنا، ويشتّت شملنا، ويتحكّم في ديننا، وينزع منّا سلطتنا، كلّ هذا داخل في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾.

ذلك هو معنى أوائل سورة ص.

بعد أن خرج القوم من بيت أبي طالب -وكان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - هناك والعبّاسَ بن عبد المطلب- قال أبو طالب للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «والله ما رأيتُك سألتَهم شططا(1) ، وما رأيتُك سألتَ محالا».

بهذه الكلمة طمع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في إيمان عمّه أبي طالب، وقد كان دائما حريصا على ذلك، كان يحبّه جدّا؛لأنّه هو الذي ربّاه، فقال له: «يا عمّي، فقلها أنت أستحلّ لك بها الشفاعة يوم القيامة، قل لا إله إلا الله».

ولماذا قال أستحلُّ؟

(1) … «الشَّطَطُ هو تجاوز الحدّ. مثلا تريد أن تشتري شيئا ثمنه عشرة، فيقال لك: عشرون، فتقول للبائع: لقد اشْتَطتَّ في الطلب؛ [أي] طلبت شططا، وتجاوزت الحدود». (من كلام الشيخ). (انظر: الفراهيدي، العين: ج2، ص332، مادة: شَطط).

١٠٥ / ٤٥٥