في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١٠٦ذلك لأنّ الشفاعة للكافر محرّمة: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ اِرْتَضَىا﴾(1) ، ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيءِ وَالذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَّسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَىا مِنم بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ أَنَّهُمُ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾(2) ولكي يطلب الشفاعة لمشرك؛ حرام، ولهذا وعبّر النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا التعبير الذي يدلّ على معنى جميل ورائع، قال له: «يا عمّ، قل أنت هذه الكلمة، أستحلّ لك بها الشفاعة يوم القيامة». ولو قالها في آخر لحظة.
قال له أبو طالب: «والله لولا خوف السّبة لك ولبني أخيك، ولولا الخشية أن يبقى عارا لك ولبني أبيك والعائلة، ولولا الخوف أن يبقى الكلام من بعدي أنّ أبا طالب خاف من الموت فقال تلك الكلمة؛ لقلتها، ولا أقولها إلا لأسرّك بها». لأنّه من العيب عند هؤلاء الصناديد أن يقول أحد منهم: «أخاف من الموت».
وجاء في أبيات تُروى عن أبي طالب:
لولا الملامة أوحِذارُ مَسَبّةٍ … لوجدتني سمحا بذاك مبينا(3)
ظلّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يعيد ويكرّر: «يا عمّ، لعلّك أن تقول هذه الكلمة».
في لحظة من اللحظات رأى العبّاس والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - شفتي أبي طالب تتحرّكان، فقال العباس -على أنّه لم يسلم هو كذلك بعدُ-: «يا ابن أخي، إنّ أخي قد قال
(1) … سورة الأنبياء: الآية 28.
(2) … سورة التوبة: الآيتان 113- 114.
(3) … وممّا قال أيضا: … حتى أُوسَّد في التراب دفينا
0@والله لن يَصلوا إليك بجَمعهم … أبشر وقرَّ بذاك منك عيونا
فامضِ لأمرك ما عليك غضاضة … فلقد صدقت وكنتَ ثَمَّ أمينا
ودعوتني وعلمتُ أنّك ناصحي … من خير أديان البرية دينا
وعرضتَ دينا قد عرفتُ بأنه … لوجدتني سمحا بذاك مبينا
لولا الملامة أو حِذارُ مَسَبَّةٍ
… (سيرة ابن كثير: ج1، ص 464. والأزهري، تهذيب اللغة، ج10، ص111).