في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١١١القريتين في قول الله تعالى على لسان الكفّار: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَىا رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾(1) قالوا: «لماذا وكيف ينزل القرآن على هذا اليتيم ويترك الصناديد والكبراء؟! لماذا لم ينزل على أحد من [عظيم] القريتين: عظيم مكّة وعظيم الطائف؟!» عظيم مكّة هو أبو الحكم، وكانوا يلقّبونه أبا جهل، وعظيم الطائف هو عروة بن مسعود الثقفي. فالمقصود هنا بالقريتين مكّة والطائف.
أيس النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من أهل مكّة، فذهب إلى أهل الطائف، علّه يجد فيهم من يدخل في الإسلام، وينصر دين الله، ويعلي كلمته.
وذهب معه مولاه زيد بن حارثة -رضي الله عنه-(2) ، وقيل: إنّه مكث فيه نحو عشرة أيّام.
فتتبّع كبراء الطائف الذين يظنّ فيهم خيرا، كان يذهب إلى كلٍّ واحد منهم ويعرض عليه الدين ويعرض عليه نصرته ويعده بالخير العميم في الدنيا والآخرة، ولكن لم يؤمن به أحد أبدا، لا رجل ولا امرأة، فإذا كان يوجد من أهل مكّة من دخل في الإسلام؛ فإن الطائف -وبعد عشرة أيّام- لم يؤمن منهم أحد أبدا، بل ردّوه ردّا قبيحا.
والسيرة تذكر كثيرا ممّا أجابه به البعض، فمنهم من يقول له: «ألم يجد الله من يبعث إلا أنت؟! كلّ الرجال انتهوا فلم تبق إلاّ أنت حتى تقول إنّك نبي؟!».
وقال له أحد من هؤلاء: «إذا كنت صادقا وكنت نبيا واللهُ بعثك؛ فأنت في مكان عالٍ لا نستطيع أن نتحدّث معك ولا أن نخاطبك، وإن كنت تكذب على الله؛ فكيف ننزل نحن ونتحدّث مع كذّاب؟!».
وكلّ واحد يقول له قولا.
(1) … سورة الزخرف: الآية 31.
(2) … «المذكور في القرآن في قوله تعالى بسورة الأحزاب: الآية 37: ﴿فَلَمَّا قَضَىا زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا…﴾». (من كلام الشيخ).