في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١١٢

وقال له آخرُ: «أنا أقطع أستار الكعبة إن كنت رسولا»(1) . فكذّبوه.

ثم إنّهم خافوا على أولادهم الشباب، فقالوا: «إن بقي هذا هنا، فسيوسوس شبابنا، وربّما يميّلهم إليه»؛ لأنّ الشباب ميّالون، وقلوبهم ما زالت نقيّة لم يتمكّن فيها الكفر مثلما تمكّن في الكبار، وهذا مُشاهَد ومعروف في كلّ زمان.

قالوا: «إن تركناه هنا فسيفسد أولادنا». فطردوه وقالوا له: «ارجع إلى بلادك». ولم يكتفوا بهذا، بل أغروا به السفهاء والأطفال وسلّطوهم عليه، فرموه بالحجارة، فكان يمشي وهم يتبعونه، حتى أدموا قدميه، وكان زيد بن حارثة يردّ عنه ويتلقّى الضربات، حتى شُجَّ رأسه.

أُصيب النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في قدميه، ولم يمنعه إلا طرف المدينة(2) ، فوجد هناك جنانا. والطائف كما قلنا من قبل بلادُ حدائق وأجنّةٍ.

وجد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - جنانا لاثنين من أهل مكّة ومن كبار قريش هما(3) : عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وسيموت الاثنان كافرين يوم بدر.

التجأ ودخل إلى هذا الجِنان وجلس ليستريح تحت ظلّ عنب -وعنب الطائف مشهور كذلك- ومعه زيد، وصادف أن كان هناك شيبة وأخوه عتبة فرأياه، وتحرّكت فيهما الرحمة والشفقة، فهما لم يكونا يجهلانه، بل يعرفانه، دعاهم ودعوه، وكانا حاضرين يوم أبي طالب، ولكن شعرا بالمكر الذي مكره أهل الطائف فيه، فناديا

(1) … «ونحن في زماننا هذا نستعمل مثل هذا التعبير فيقول أحدنا عند تعظيم الأمر: ”وهل أحرقت حصير المسجد؟!“؛ يعني أنّ إحراق حصير المسجد شيء عظيم جدّا، وهذا حقيقة. وكذلك هم العرب، فهتك أستار الكعبة أو حرقها من أعظم الكبائر عندهم. وهو كذلك إلى اليوم». (من كلام الشيخ).

(2) … أي مدينة الطائف.

(3) … «ومثلما هو [الحال] إلى الآن، فأهل مكّة كانوا يتملّكون جنانا في الطائف منذ القديم». (من كلام الشيخ).

١١٢ / ٤٥٥