في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١١٦

قال له: «يا زيد، إنّ الله جاعل لي من أمري فرجا ومخرجا، وإنّ الله لناصر نبيّه، ومظهر دينه».

حيث بلغت الشدّة نهايتها، ولكنّه - صلى الله عليه وسلم - كان دائما معتمدا على الله.

ذهب إلى حراء، الجبل الذي نزل فيه عليه الوحي، فالتقى بشخص من خزاعة، فأرسله إلى المطعم بن عديّ في مكّة وكان مشركا، وهو من الخمسة الذين قاموا ضدّ صحيفة المقاطعة، وطالبوا بنقضها وتقطيعها.

أرسل إليه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - طالبا دخول مكّة في جواره، ولا يوجد وقتئذ أحد يستجير به غير الله تعالى، ولكن السياسة البشريّة تقتضي العمل بهذا، فليس لأحد أن يقول أنا متوكّل على الله ثمّ لا يباشر الأسباب، فلربّما يقول قائل: «فلْيدخل مكّة دون طلب الحماية من أحد!!… ».

لا، لابدّ أن يتدبّر الأمر جيّدا، وأن يباشر الأسباب.

لذلك أرسل إلى المطعم بن عديّ من يقول له: «إنّ محمّدا رجع، وإنّه يسألك الدخول في جوارك».

وعندما يستجير أحد بعظيم من العظماء، ككبيرِ قبيلةٍ مثلا؛ فإنّه يكون له شرفٌ، فيحميه ولا يتركه، بل يبذل ماله ونفسه ويحارب الناس دونه. والعرب كما تعلمون عندهم هذه النخوة مهما بلغت العداوة وبعُد النسب.

ويبدو لي هذا [الجوارُ] وكأنّه نوع من اللجوء السياسيّ الذي يطبَّق في عصرنا الحاضر، فقد يُضام أحدٌ في دولته، وإن بقي بها فلربّما يُقتل، فيضطرّ للخروج إلى دولة أخرى، ويطلب منها أن تحميه وتعتبره لاجئا سياسيّا، هؤلاء الذين يُعبَّر عنهم اليوم: «اللاجئون السياسيون»، والدول المعتدّة بنفسها يأتيها اللاجئون فتحميهم، وتعطيهم السكن وتوفّر لهم المعاش، إنّما تشترط عليهم أن لا يعملوا ضدّها.

وهذا موجود عند العرب منذ القديم، إذ يدخل أحد مدينة تحت حماية كبير من كبرائها، فيعتبره كأحدِ أولاده، وينادي في الناس: «فلان تحت حمايتي فلا تقربوه، ومن

١١٦ / ٤٥٥