في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١٢٥فلان، أو شاعر بني فلان وينشد القصيدة التي نظمها، حتى إنّه ليطمع أن يقولوا: «شاعر بني فلان أشعرُ العرب»، أو: «خطيب بني فلان أخطبُ العرب».
وفي هذا المقام اشتهر قُسُّ بن ساعدة الإياديّ(1) بخطبته المشهورة التي شهدها النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وحضرها ورواها، وكان هذا قبل الإسلام.
إذن ينتصب هذا السوق عشرين يوما من أوّل ذي القعدة إلى العشرين منه، ثم ينفضّ، فيذهب الناس بعد ذلك إلى مكّة حيث المشاعر العظام، وحيث المناسك.
ذكرنا هذه الأسواق؛ لكي نفهم أنَّ العرب -سواء منهم القريب والبعيد- لم يكونوا يأتون إلى [مكّة] في اليوم الذي يقفون فيه بعرفات، إنّما كانوا يفدون إليها من أول ذي القعدة.
(1) … أحد حكماء العرب في الجاهلية، قيل إنّه عاش ثلاثمائة وثمانين سنة، وزعم كثير من العلماء أنه عمّر ستمائة سنة. وقد رآه سيّد البشر - صلى الله عليه وسلم - بعكاظ وروى خطبته التي يقول في آخرها:
في الذاهبين الأوّليـ … ـن من القرون لنا بصائرْ
لما رأيت مواردا … للموت ليس لها مصادرْ
ورأيت قومي نحوها … يمضي الأكابر والأصاغرْ
لا يرجع الماضي ولا … يبقى من الباقين غابرْ
أيقنت أني لا محا … لةَ حيث صار القوم صائرْ
… وكان حكيمًا خطيبًا عاقلاً حليمًا له نباهة وفضل، وقد ذكره جماعة من الشعراء في أشعارهم بالحلم والخطابة وضربوا الأمثال به. وهو أوّل من آمن بالبعث من أهل الجاهلية، وأوّل من توكّأ على عصا في الخطبة، وأوّل من علا على شُرُف وخطب عليه، وأوّل من قال في كلامه: «أمّا بعد»، وأوّل من كتب: «من فلان إلى فلان». ذكره البعض في الصحابة وصُرِّح بأنه مات قبل البعثة. قال فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - : «يرحم الله قِسًّا، إني لأرجو أن يُبعث يوم القيامة أمّة وحده». (ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج5، ص551 والصلاح الصفدي، الوافي بالوفيات: ج24، ص180-181، وابن عبد ربّه الأندلسي، العقد الفريد: ج4، ص128 وأبو الفرج الأصبهاني، الأغاني: ج15، ص236-241).