في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١٣٠

وكان كلّ عرش وكلّ قبيلة يودّون لو يخرج منهم ملك يُضرب المثل بملكه، أو شاعر يُضرب المثل ببلاغته، أو خطيب يُضرب المثل بفصاحته، أو كريم يُضرب المثل بكرمه، فكان العرب يفخرون بهذا، فلمّا سمعت القبائل الوافدة كلام كبراء قريش، تعجّبوا وقالوا: «لو كان فيه شرف لقومه، ولو وجد قومه خيرا ينالهم منه، لاتّبعوه». فأصبحوا يقولون له: «عشيرتك يعرفونك أكثر منّا ولم يتّبعوك، ونحن غرباء فنتّبعك؟!».

وهذا غير مستساغ في عقولهم الضعيفة، فهم لا يدركون أنّ هذا الأمر فوق هذه العصبيّات، وفوق هذه الترّهات كلّها.

فكان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ماضيا في عمله هذا لا يصرفه ولا يثنيه عنه شيء، وكان يتخيّر الأوقات والأماكن المناسبة، فما إن يحلّ موسم الحجّ، إلا ويتّبع تلك الأعراش، داعيا إيّاهم إلى دين التوحيد.

ذات مرّة وبينما كان - صلى الله عليه وسلم - كذلك، إذِ اتّجه إلى قبيلة من القبائل الوافدة وهي قبيلة بني عامر بن صعصعة، وعرض عليهم الأمر، فردّوا عليه قائلين: «إن تبعناك ونصرناك وظهر دينك، أيكون لنا الأمر بعدك؟ أتعطينا السلطة فتكون لنا بعد أن تموت؟ أنكون نحن الأمراء والرؤساء من بعدك؟».

كان ردّهم هكذا؛ لأنّهم فهموا أنّ هذا الدين إن ظهر لابدّ وأن يكونَ الرسول المبعوث هو الحَكَم المطلق، الحَكم الزمنيّ والروحيّ كما يقولون اليوم.

قالوا له: «إن وعدتنا وضمنت لنا أن تكون لنا السيطرة على العرب ويكون لنا الأمر من بعدك؛ فإنّنا سنؤمن بك ونتّبعك وننصرك».

فقال لهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «الأمر ليس إليّ، ولكنّه أمر الله يضعه حيث يشاء».

فقال رئيسهم: «أنهدف نحورنا لنبال العرب وسهامها، ثمّ إذا ظهر دينك كان الأمر لغيرنا؟! والله لا كان هذا، أنتّبعك ونحارب الناس كلَّهم ونعطيهم صدورنا، ويوم تقوى وينتصر الدين، يأتي أحد غيرنا ويكون له السلطان؟! إذن لا نتّبعك».

١٣٠ / ٤٥٥