في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١٣٣رجعوا إلى المدينة بعد موسم الحجّ، وأشاعوا فيها ذكر الحادث الذي وقع بمكّة، وبدؤوا نشر هذا الدين، وكما تقول الرواية لم تبق دار إلا وفيها ذكرٌ للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن ليس ذاك هو الإيمان الذي انتشر، وإنّما أصبح -كما يُعبِّر الناس اليوم- حديثَ النوادي.
وكان الكثير من أهل المدينة يَوَدّون لو أنّ هذه الفتنة التي بينهم تزول، وهذه الحرب الأهليّة الداخلية «la -رضي الله عنها-uerre civile»، هي أكبر مصيبة تصيب الأمم.
[البيعة الثانية] :
البيعة الثانية
وفي الموسم القادم جاء اثنا عشر رجلا من أهل المدينة للحجّ، وكأنّهم قبل ذلك كانوا -كما قلنا- منشغلين بالحروب التي بينهم، فلم يبيّن التاريخ أنّهم كانوا يحجّون بكثرة، وسيأتي منهم العامَ القادمَ خمسُمائةٍ، ويدلّ هذا -لمن يتتبّع التاريخ- أنّ الذي كان يمنعهم من المجيء إلى مكّة للحج بكثرة، الحروبُ التي كانت بينهم، فالذين يخرجون من المدينة يخافون أن يهجم العدوّ على حِماهم، فلا يمكنهم إذن إخلاء أحيائهم التي يسكنونها، وهذا تأويلي أنا لهذه الحوادث.
جاء اثنا عشر رجلا من أهل يثرب(1) ، واجتمعوا بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأسلموا، وعاهدوه على البيعة.
والبيعةُ -كما تذكر الرواية- كبيعة النساء التي ذكرها الله تبارك وتعالى في سورة الممتحنة: ﴿يَآ أَيُّهَا النَّبِيءُ اِذَا جَآءَكَ الْمُومِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىآ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَاتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ﴾(2) ، هذه البيعة يُعبَّر عنها ببيعة النساء مثلما هو منصوص عليها في القرآن الكريم.
(1) … «وكان أكثرهم من أعيان الصحابة، وهؤلاء الأنصار المشهورون، مذكورون في التاريخ، منهم: عبادة بن الصامت، وعبد الله بن حرام والد جابر بن عبد الله». (من كلام الشيخ).
(2) … سورة الممتحنة: الآية 12.