في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١٣٤بايعهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على هذا، ولم يبايعهم على النُّصرة والموالاة من جهة الحرب؛ لأنّه -و إلى ذلك الوقت- لم يؤذن له بعدُ في الحرب، فاشترط عليهم أن يُعطوه العهد على هذه الكلمات التي أنزلها الله تبارك وتعالى: لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم، ولا تعصوني في معروف.
بايع هؤلاء الاثنا عشر من سادة وخيرة الأنصار النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ورجعوا إلى المدينة، وأرسل معهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بعد أن تحقّق إسلامهم، أحد السابقين الأوّلين من المهاجرين الذين هاجروا إلى الحبشة ثم رجع منها، وكان قارئا للقرآن، ويحفظ كلّ ما أُنزل منه إلى تلك اللحظة، ليعلّمهم فريضة الإسلام التي فرضت آنذاك وهي الصلاة(1) ، وليقرئ أولادهم القرآن ويُحفِّظهم إيّاه.
فمن هو هذا الصحابيّ الجليل؟
إنّه مصعب بن عمير، شابّ من أحسن وأجمل وأظرف شباب مكّة.
ولعلّي أفرد يوما ما درسا خاصّا في الكلام عن مصعب بن عمير(2) ، لكي يعرف شبابنا كيف كان حال الشباب المسلم في أوّل عهد الإسلام، وعلى رأسهم هذا الشابّ.
بعثه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - معهم فنزل بالمدينة عند أحد المبايعين الاثني عشر وهو أسعد بن زرارة، فأصبح يأتيه الذين أسلموا إلى البيت يُدرِّسهم القرآن، ومصعب بن عمير هو أوّل من أُطلق عليه لفظ المقرئ في الإسلام(3) .
ومكث بدار أسعد بن زرارة، يُقرئ ويُعلّم حتى شاع خبره.
(1) … «فُرضت ليلة الإسراء والمعراج». (من كلام الشيخ).
(2) … وكذلك فعل. انظر الدرسين الثاني عشر والثالث عشر من هذه السلسلة.
(3) … «ويعبَّر عنه في شمال إفريقيا بـ: ”الفقيه“ وهو: الشيخ الذي يُدرِّس القرآن الكريم، ويُعلِّم القراءة والكتابة، وبنو ميزاب أخذوا هذه الكلمة إلى البربريّة، فهم يقولون: ”لَفْقِي“. فمصعب بن عمير إذن هو سيّد المقرئين». (من كلام الشيخ).