في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١٣٦فشرح الله صدر أسيدٍ للإسلام، وقال لمصعب: «هذا خير عظيم، لقد فعلتَ شيئا حسنا، هذا الكلام حلو، فما يأمرنا إلا بالطيّبات والإحسان، وما ينهانا إلا عن الفواحش والمناكر». ثمّ قال له: «ماذا تصنعون للدّخول في دينكم؟»
قال له: «تشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله، وتتطهّر، وتصلّي ركعتين».
هناك نهض أسيد بن حضير وفعل ذلك، فتشهّد وتطهّر وصلّى ورجع إلى الحيّ الذي فيه منازل بني عبد الأشهل، وكانت جماعة الأعيان جالسة ومعهم سعد بن معاذ -رضي الله عنه-، فعندما رأى هذا الأخيرُ أسيدا قادما من بعيد، قال لهم: «والله لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به عنكم، لقد جاءكم بوجه آخر جديد!!».
فلمّا وصل قال له سعد: «ماذا وجدت؟».
وكان أسيد -كما أشرنا- دونه في الدرجة؛ لذلك احتال عليه بحيلة لطيفة، إذ قال له: «ما وجدتُ شيئا فيه بأسٌ، ولم أجد شيئا أُنكره، ولكن سمعت أنّ بني حارثة قد ذهبوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه».
وأسعد هو ابن خالة سعد -كما ذكرنا- فقام سعد بن معاذ مغضبا، وتقلّد سلاحه وذهب.
وفي الحقيقة كانت هذه حيلة من أُسيد، فهو يريد من سعد أن يذهب ويطّلع هو بنفسه، ولم يرد أن يقول له مباشرة اذهب أنت وانظر بنفسك، فصوّر له هذه الصورة: «يقولون إنّ بني فلان ذاهبون ليقتلوا أسعد بن زرارة والذين معه».
غضب سعد وقام وذهب، فلمّا وصل لم يجد شيئا، بل ألفى أهل البيت والمقرئَ مطمئنّين، لا بأس عليهم، لم يحدث أيّ شيء، ففهم الآن أنّ أسيدا يريد أن يحضره إلى هنا لكي يسمع بنفسه.
فكرّر له [أي لمصعب] السؤال كما فعل أسيد أوّل مرة: «ماذا تصنعان؟ ما الذي جاء بكما، ألكي تفسدا أبناءنا؟».