في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١٣٨

وحجّ في ذلك الموسم من أهل المدينة ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان من المسلمين، أمّا المجموع الكلّي الذي حجّ من المدينة فبلغ الخمسمائة أو يزيد؛ أي المسلمون منهم والمشركون. ولاحِظوا أنَّ العدد يكثُر حتّى من المشركين، فلماذا لم يوجد في الأعوام الماضية مثل هذا العدد؟ المتتبّعُ للحوادث، يجد أنّ الحروب التي كانت بينهم والتي انتهت بيوم بعاث، هي التي كانت تحول بينهم وبين الذهاب إلى مكّة، كما ذكرت من قبل.

ذهبوا كلّهم قافلة بعد قافلة، ودخل هؤلاء المسلمون مكّة ولقوا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في لقاء خفيف لا يُلفت الأنظار، وكانوا لا يزالون في مكّة؛ أي قبل أن ينزلوا إلى منى، وقبل الوقوف بعرفات، وقبل أيّام التشريق.

التقوا مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وحدّدوا الموعد، فقال: «موعدكم أوسط أيّام التشريق بمنى، بالشعب الذي عن يمين القادم إلى مكّة، بأسفل العقبة، ليلةَ النَّفْرِ(1) الأوّل».

وعدّة أيام التشريق مذكورة في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾(2) يعني في ثلاثة أيام ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلآَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلآَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، ويوم عيد الأضحى لا يُحسب، فاليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجّة، هي أيّام التشريق التي يقيمها الحجّاج في منى، وفي كلّ يوم يرمون الجمار الثلاث، وأمّا يوم العيد، فلا يرمون إلا جمرة العقبة، ولكنّ الله تبارك وتعالى أذن لمن يريد أن يبقى يومين؛ أي اليوم الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجّة بعد الظهر، فيرمي الجمار ويذهب إلى مكّة، ذلك معنى قوله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾. واليوم الثاني من أيّام التشريق -وهو اليوم الثاني عشر من ذي الحجّة- يُعتبر يوم النّفر الأوّل.

(1) … «النَّفْرُ أو النَّفِيرُ هو خروج الناس وسفرهم». (من كلام الشيخ). النَّفْرُ: التَّفَرُّق. (ابن منظور، لسان العرب: ج5، ص224، مادة: نفر).

(2) … سورة البقرة: الآية 203.

١٣٨ / ٤٥٥