في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١٣٩

فواعدهم - صلى الله عليه وسلم - ليلة النّفر الأول؛ أي ليلة الثاني عشر؛ لأنّ الناس كلّهم لا يزالون ذلك الوقت بمنى.

ربط معهم موعدا محدّدا بالزمان والمكان، فالمكان عند العقبة بالشعب الذي عن يمين الداخل إلى مكّة، والزمان ليلة الثاني عشر من ذي الحجّة، بعد هُدأة من الليل، إذا سكنت الأقدام وأوى الناس إلى خيامهم.

ولكن وبما أنّ الاحتياط واجب؛ قال لهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «لا تنتظروا غائبا ولا توقظوا نائما». وهذا من دقّة ملاحظته - صلى الله عليه وسلم - وسداد رأيه في التخطيط والتوجيه؛ يعني مبالغة في الاحتياط للتعمية عن المشركين لكي لا يشعروا بهم، فلو شعر بهم كفار قريش لعارضوهم، ولربّما يكون ما يكون.

وكذلك كان.

وفي هذا عبرة لنا إذ نتعلّم أخذ الاحتياطات اللازمة إذا اقتضى المقام ذلك.

بعد نحو ثلث الليل، جاء الثلاثة والسبعون رجلا والامرأتان متسلّلِين، ليسوا جماعات، بل متفرّقين واحدا واحدا ومثنى مثنى، ولم يسلكوا طريقا واحدا، إنّما سلكوا طرقا مختلفة، حتىّ اجتمعوا جميعا، فوجدوا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قد سبقهم، وكان معه عمّه العباس -رضي الله عنه-، جاء لكي يحضر البيعة والعهد، وليستوثق، وليأخذ للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ويرى أصحاب هذا العهد ويعرفهم، ويتثبّت هل يستطيعون أن يوفّوا أم لا؟.

وبدأ الكلامَ العباسُ، فقال لهم: «يا معشر الخزرج(1) ، أنتم تعرفون مكانة ابن أخي فينا، فهو في عزّ ومنعة ولا أحد يستطيع أن يصل إليه بضرر، ولكن لا يريد إلا أن يأويَ إليكم، وراغب في أن يأتي معكم، وأنتم أتيتم لكي تؤووه وتنصروه، فإن

(1) … «ولو أنّ الأوس كانوا معهم، ولكن جرت العادة عندهم أن ينادوا أهل يثرب بـ: يا معشر الخزرج؛ لأنهم أكثر أهل المدينة عددا، فلم يقل لهم: يا أهل يثرب، أو يا معشر الأوس والخزرج، إنما خاطب الغالب من أهل المدينة. ويسمّى هذا بالتغليب»(من كلام الشيخ).

١٣٩ / ٤٥٥