في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١٤١

أسلمتموه؛ فمن الآن، فإنه والله خزي الدنيا والآخرة، وإن رأيتم أنكم توفّون بعهدكم؛ فبايعوا، فإنّه والله شرف الدنيا والآخرة».

وهذا كلام الفحول، أراد أن يُبَصِّرهم جيّدا بما هم مقدمون عليه، فهذا الذي أعطيتم العهد على أن تحاربوا دونه الأسود والأحمر -يعبّرون هكذا بهذه الكلمة- يعني ستعطون صدوركم للنّاس كلّهم وستقابلون الدنيا كلّها، فإن كنتم في اليوم الذي تصابون فيه وتذهب أموالكم ويُقتل أشرافكم(1) تتركونه؛ فمن الآن لا تعطوه العهد؛ لأنّه في ذلك الوقت سيكون خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم تعرفون أنّكم قادرون على الوفاء بما تعاهدون عليه اليوم؛ فخذوه، فإنه والله خير الدنيا والآخرة.

وهنا نكتة: لماذا قال قتل الأشراف ولم يقل قتل الناس أو قتل الرجال فقط؟.

لأنّ الذين يصابون ويُقتلون هم الأشراف والفحول الذين يتقدّمون الصفوف الأماميّة في الحرب، فهم الذين يُقصدون في المعارك ويقصدون بالاغتيالات؛ فنجد تعبيرا يدلّ على عقليّة دقيقة الملاحظة.

فنادوا كلّهم قائلين: «نعاهده ونبايعه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا يا رسول الله؟».

فكرّر لهم: «الجنة».

فقالوا: «امدد يدك نبايعك».

اختلفت الرواية في من بايع أوّلا من الأنصار، قيل هو البراء بن معرور، وقيل اثنان آخران، ولكن هذا لا يهمّ، فبايعوا كلّهم(2) . وقبل أن يمدّ الأوّل يده ليبايع، قام أحد من الأنصار فقال: «هل عسيت إن أظهر الله دينك وارتفع شأنك وانتصرت ودخل قومك في دينك، أن ترجع إليهم وتتركنا؟».

(1) … «لأنّ الحرب لا بدّ أن تأكل المال وتأكل الرجال». (من كلام الشيخ).

(2) … «البيعة صَفْقٌ في اليد، يقبض المبايِع على يد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ويقبض النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على يده». (من كلام الشيخ).

١٤١ / ٤٥٥