في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١٤٢

فهم أيضا يحبّون أن يكون العهد مضبوطا.

فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا، بل الدمَ الدمَ، والهدمَ الهدمَ، أُسالِم من تسالمون، وأُحارِب من تحاربون». مثلما يقول العرب: «سَلْمي سَلْمُكم، وحَرْبي حَرْبُكم».

يعني ولو انتصر الدّين غدا، ودخلت قريش كلّها في الإسلام؛ فأنا معكم.

ولقد قال - صلى الله عليه وسلم - عن الأنصار في غير ذلك الموضع(1) : «لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار».

وقال كذلك: «الناس دثار(2) والأنصار شعار(3) ». وهذه العبارة معروفة تُقال عندما يحبّ أحد شخصا ويعزّه، فيقول: «فلان شعاري».

فقالوا حينئذ: «امدد يدك نبايعك». فهو أخذ لنفسه ولربّه، وهم أخذوا لأنفسهم كذلك ولربّهم، والنّصرة كلّها لله تبارك تعالى.

مدّ النبي - صلى الله عليه وسلم - يده فبايعوه متتابعين، ثمّ قال له بعض الأنصار: «والله لو شئت يا رسول الله لمِلْنا على أهل منى بسيوفنا».

فقال - صلى الله عليه وسلم - : «لم أُؤمر بعدُ بالحرب».

وفي ذلك الوقت حدث شيء من الضوضاء والضجيج وارتفاع الأصوات، فنبّههم العباس

(1) … قاله بعد غزوة حنين لما أعطى المؤلَّفة قلوبهم من الفيء ولم يعط للأنصار منه شيئا، فوجد الأنصار في أنفسهم من هذا الفعل، فاسترضاهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بكلام مؤثّر تذرف منه الدموع، ولولا خشية الإطالة؛ لأوردته هنا. والقصّة كاملة تجدونها في كتب السيرة، فصل: مناقب الأنصار، أو عند الحديث عن غزوة حنين.

(2) … «الدثار هو الرداء العلوي». (من كلام الشيخ). (انظر: ابن منظور، لسان العرب: ج4، ص276، مادة: دَثَرَ).

(3) … «والشعار هو اللباس الداخلي الذي يلي الجسم». (من كلام الشيخ). وسمّي شعارا؛ لأنّه يلي شعر جسد الإنسان دون ما سواه من الثياب. (ابن منظور، لسان العرب: ج4، ص410، مادة: شَعَرَ).

١٤٢ / ٤٥٥