في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١٤٣

قائلا: «اسكُنوا، إنّ علينا جواسيسَ فلا ترفعوا أصواتكم».

وبعد أن بايعوه جميعا قال لهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «ليرجع كلّ واحد إلى رَحْله مستخفيا كما أتيتم متسلّلين دون أن يشعر بكم أحد».

إلى هذه اللّحظة الأمر لا يزال مستورا، فقد أخرص الله شياطين الإنس والجنّ وأعماهم، وما إن تمّ صفق البيعة وتمّ العقد وقاموا ليفترقوا؛ حتى نادى إبليس اللّعين في الجمرة الكبرى -لأنّهم قريبون منها-: «يا أهل الأخاشب(1) -أخشبا مكّة- هل لكم في محمّد والصَّبِأة معه»، وفي رواية قال: «هل لكم في مذمّم»؛ يعني: «محمّدا» نطقها: «مذمّما».

فانكشف أمرهم، وقيل بأنّ رسول الله عليه وسلم ردّ عليه قائلا: «سأفرغ لك يا عدوَّ الله».

فتسلّلوا ولم يُمسَك منهم أحدٌ، وفي الصباح ومع ذلك النداء من الشيطان الذي سمعه أهل منى، تساءل المشركون وبحثوا، فجاءهم النبأ أنّ محمّدا قد التقى مع أهل يثرب وأعطوه العهد وسوف يذهب إليهم. فقامت قيامة قريش، فذهب كبراؤهم أبو جهل وأضرابه إلى أهل يثرب فوجدوهم مجتمعين المسلمون منهم والمشركون، فقالوا لهم: «بلغنا أنّكم جئتم إلى صاحبنا هذا، وأنّكم تريدون أن تؤووه وتنصروه؟».

فتكلّم كفّارهم وقالوا: «والله ما وقع شيء من هذا، والله ما رأيناه ولا حصل شيء أبدا». حتّى مشركي أهل المدينة لم يشعروا بما فعله مسلموهم.

وقال لهم عبد الله بن أُبي بن سلول(2) : «هذا شيء لا يقع أبدا، وما كان

(1) … الأخاشب وخشْبان: الجبال الخشن التي ليست بضخام ولا صغار، والأخشبان جبلان مُطيفان بمكة، وهما: أبو قُبَيس والأحمر. (ابن منظور، لسان العرب: ج 1، ص354، مادة: خَشَبَ).

(2) … «وكان في ذلك الوقت وبعد وقعة بُعاث وموت كثير من كبار أهل المدينة، يستعدّ ليُلبَس التاج ويكون ملكا على يثرب؛ ولذلك عزّ عليه الدخول في الإسلام، وأصبح رأسَ المنافقين حتى مات». (من كلام الشيخ).

١٤٣ / ٤٥٥