في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١٤٩فلمّا بدأت الفتنة الأولى وذلك بضرب المسلمين وتعذيبهم والمكر فيهم، هاجر المسلمون إلى الحبشة الهجرة الأولى ثمّ الهجرة الثانية، فخرج عدد كبير منهم إليها، ووجدوا فيها مأوى تحت ظلّ الملك العادل النجاشيّ -رضي الله عنه-. أقول رضي الله عنه لأنّه مات مسلما، وصلّى عليه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - صلاة الغائب كما تقدّم.
وبعد أن رجعوا، دبّر المشركون فتنة أخرى، وهي الفتنة الكبرى، فأبرموا قطيعة ضدّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وقومه الذين ناصروه، المسلمون منهم والكافرون.
وكأنّه في ذلك الوقت -وفي أثناء المقاطعة- خفّ التعذيب نوعا ما، وبعد خروج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من الشعب -وذلك بعد ظهور معجزة الصحيفة والتي تتمثّل في الأرضة التي سلّطها الله تبارك وتعالى على عقد المقاطعة الذي كتبوه وأمضوا فيه وعلّقوه في الكعبة فأخبرهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بذلك بعد أن أعلمه جبريل - عليه السلام - ، انتصروا عليهم انتصارا معنويّا ومادّيا، ولو أنّ الحرب لم تكن بعدُ. فاحتار المشركون بعد ذلك كيف يصنعون؟!.
بعد الخروج من الشعب بقليل، بدأ الاتّصالَ بقبائل العرب في المواسم، حتى كان ما كان ممّا سمعتموه من الاجتماع بالأنصار في العام الأوّل والثاني والثالث.
وفي أوّل هذا العهد وبعد خروج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من الشّعب، ماتت خديجة ومات أبو طالب، وكان بينهما أيّام قليلة، وقتئذ تجدّدت الفتنة وعادت -كما يسمّيها أهل السيرة بالفتنة الآخرة أو الأخيرة-، فتحزّم المشركون بزيادة المكر في المسلمين؛ لأنّه قد بلغهم أنّ هناك اتّصالات سرّية بين النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأهل المدينة، وأنّ الإسلام قد وصل إليها وبدأ ينتشر في ربوعها، وأنّه سوف يهاجر إليها، فقالوا: «بالأمس قطعوا البحر الأحمر وهاجروا إلى الحبشة، واليوم إذا دخل أهل يثرب في الإسلام؛ سيكون الخطب جللا».
ولماذا قالوا هذا؟.