في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١٥٠لأنّ المدينة قريبة من مكّة، فالمسافة بينهما اليوم عشرون وأربعمائة كيلومترا، ولا يفصلهما بحر، والأخطر من ذلك أنّها تقع في طريق أهل مكّة إلى الشام، ودائما يمرّون عليها؛ لأنّها جاءت من الجهة الشمالية، فإذا ذهبوا إلى الشام للتجارة في رحلتهم الصيفية؛ مرّوا عليها.
فهنا اشتدّ إيذاؤهم.
وقلنا إنّ أصحاب السيرة يعبِّرون عنها بالفتنة الأخيرة، ففي هذا الوقت بالذات نشِط المستهزئون، ولقد كانوا كذلك من قبل ولكن زادوا ونشطوا في هذه المدّة، وهم الذين أنزل الله تبارك وتعالى فيهم قوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُومَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ـاخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىا يَاتِيَكَ الْيَقِينُ﴾(1) .
هذه الآيات جاءت في أواخر سورة الحجر، السورة التي بين [سورة] إبراهيم - عليه السلام - وسورة النحل، ونزلت قبل أن يهاجر النبيّ - صلى الله عليه وسلم -(2) . فمن هم هؤلاء المستهزئون؟ وماذا فعل الله بهم؟.
المستهزئون هم ألدّ أعداء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - والذين يُذكرون دائما في التاريخ والسِّير، يعني خبثاء المستهزئين في قريش، قريشٌ كلّها كافرة، والعرب كلّهم كفّار إلا عدد قليل ممّن رحم ربّك، ولكن من بين هؤلاء ومن بين أهل مكّة، اشتهر نحو عشرين، هؤلاء هم الخبثاء وأكبر الماكرين الذين يؤذون النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ويؤذون أصحابه ويستهزئون ويسخرون منهم.
وكلّ واحد منهم تقريبا نزلت فيه آية قرآنيّة مثلما نزلت في أبي لهب وامرأته حمّالة الحطب.