في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١٥٥مرّ هو أيضا بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - وجبريلَ لمّا كانا جالسين في الحرم، فأشار جبريل إلى بطنه، ولا ندري كيف هي هذه الإشارة، فمن هناك أصابه داء الاستسقاء.
ومرضُ الاستسقاء مرض موجود ومعروف إلى اليوم، وحتى العامّة تُعبّر عنه بهذه العبارة العربيّة الفصحى القديمة.
وداء الاستسقاء هو أن يصاب أحد في بطنه، فيجتمع فيه الماء الأصفر وينتفخ. وكلّكم تسمعون في بعض الأحيان أنّ فلانا دخل المستشفى فأخرجوا منه أربع أو خمس أو عشر لترات من الماء، فيبقى أيّاما ثمّ يأخذونه من جديد إلى المستشفى لكي يخرجوا منه كميّة أخرى.
هذا الماء الأصفر داء معروف ومشهور إلى اليوم وموجود في كلّ مكان، ولدينا بعض أناس ماتوا قريبا بعد أن أصيبوا بهذا الدّاء، وحقيقة يستغرب أحد إذا سمع أنّ فلانا أخرجوا له من بطنه كذا وكذا من اللترات ماءً.
فالأسود بن عبد يغوث أصيب بهذا الداء، فأصبح بطنه ينتفخ بهذا الماء الأصفر، حتى كان رجيعه(1) يخرج مِن فيهِ، وسخُ بطنه -أكرمكم الله- ينزل من فمه، ولكن قبل أن يصاب بهذا الداء، خرج يوما إلى الصحراء، وبعد أن أصيب بالحرّ ولفحته السَّموم وأحرقه القيظ، سوّده الله تعالى وغيَّر خِلقته، فجاء إلى أهله وأراد أن يدخل عليهم فلم يعرفوه فطردوه، وزاد عليه اللهُ أن ابتلاه بهذا المرض، حتى مات طريدا بهذا الاستسقاء.
ومن الغريب أن أباه هو أخو آمنة مباشرة، أي هو ابن خال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فهو عبد يغوث بن وهب، وهي آمنة بنت وهب، فعبد يغوث جاء بهذا الأسود الذي هو أسود حقّا كاسمه، وكان كلّما التقى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صباحا يقول له في سخرية: «ألا يوجد خبر
(1) … الرجيع: الروث والعذِرة، وسمّي رجيعا؛ لأنّه رجع عن حاله التي كان عليها بعد أن كان طعاما أو علفا أو غير ذلك. (ابن منظور، لسان العرب: ج8، ص114، مادة: رجع).