في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١٥٦من السماء اليوم؟!»، وكان إذا مرّ المسلمون بين يديه يقول للناس: «تعالوا تروا ملوك الأرض، هؤلاء الذين سيملكون قصور كسرى!!»، ويردّد أمثال هذه العبارات دائما.
وهكذا أصيب بهذا البلاء، وكان الجزاء من جنس العمل، «ومن شرط كلّ شرط جزاءُ»(1) ، فالفم الذي كان يستهزئ به، أصبح يخرج الرجيع منه، ومثلما كان يرمي الخبث من الكلام، أصبح يرمي الخبث من بطنه.
هذه هي قصّة هلاك الأسود بن عبد يغوث.
ودهى الأسود بن عبد يغوث … أن سقاه كأس الردى استسقاء
ثمّ يقول:
وأصاب الوليدَ خِدْشة سهم … قصّرت عنها الحية الرَّقطاءُ
الوليد بن المغيرة المخزوميّ القرشيّ وهو والد خالد بن الوليد سيف الله، وكان من أعزّ العرب وأغناهم، وبلغ من غناه أنّه كان يكسو الكعبة لوحده، بينما تشترك قريش [كلّها] إذا ما أرادوا ذلك، ولا ندري هل كانت الكسوة تبدّل كلّ عام في ذلك الوقت أم لا؟، لكن كانت قريش تجتمع كلّها لصنع ستار الكعبة؛ لأنّهم يصنعونه صنعا جيّدا بالحرير وبما يستطيعون، مثلما هو الأمر الآن، وإنّما الصناعة تختلف من وقت إلى وقت، لكنّ الوليد من جهة أخرى كان لما يأتيه الدور، يكسو الكعبة لوحده.
وكان الوليد من الذين يقولون: «كيف لا يأتي الوحي إليّ ويذهب إلى محمّد وأنا لبيب قريش وسيّدها؟! ولا يوجد أحد أعقل منّي وأحذق؟!، لماذا لم تأت هذه النبوّة إليّ أنا أو إلى عروة بن مسعود الثقفي؟!».
والوليد كذلك كان ممّن بالغ في إيذاء المسلمين، والمكر بهم، والاستهزاء بهم، والعجب بماله وقوّته.
(1) … هذا شطرٌ ثانٍ من بيتٍ في همزيّة البصيريّ، والشطر الأوّل فيه: «شُقَّ عن صدره وشُقَّ له البدرُ». مع ذهاب «راء» «البدر» إلى الشطر الثاني؛ لضرورة الوزن.