في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١٥٧مرَّ الوليد ذات يوم برجل وهو في حالة تَبختر وخُيلاء، مسبلا إزاره، يجرّ رداءه على الأرض جرًّا، فتعلّق به نبلٌ وخدشه، ولكن كان متكبّرا، فهو من سادات العرب وعظمائها، وكان الانحناء عندهم عيبا، وهم إلى اليوم على هذه الطريقة.
فكان من العيب عنده إذن أن ينحنيَ وينزع ذلك السّنان الذي علق في ردائه، وما منعه إلا الكبر، ولعلَّ الخادم لم يكن معه في ذلك الوقت كي يأمره بنزعه، وكان ذلك السنان صغيرا رقيقا، فتركه وذهب، ولمّا مرّ على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وجبريل - عليه السلام - ، أشار جبريل إلى ذلك الجرح، فبدأ ينتفخ حتى كان هلاكه به، فأحدث له عذابا أليما كأنّه أُصيب بسمٍّ من أشدّ أنواع السُّموم:
وأصاب الوليدَ خِدْشة سهم … قصّرت عنها الحيّة الرَّقطاءُ
قال البوصيري في همزيّته: إنّ ذلك الجرح لما أشار إليه جبريل - عليه السلام - ؛ فعل فيه ما لم تفعله الحيّة المزركشة، وهم يعبّرون عنها اليوم ويقولون: «الثعبان المزركش»، وفي القديم: «الحيّة الرقطاء»(1) ، والسموم أنواع ولكن أشدّها سمّ الثعبان.
هذه هي قصّة هلاك الوليد بن المغيرة.
وكانت للوليد قصّة أخرى مع خبّاب بن الأرتّ صانع السيوف، تُبَيِّن المدى الذي بلغه استهزاؤه بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - وبالمسلمين، إذ صنع له خبّاب يوما سيفا، فلم يرد أن يدفع له ثمنه، فذهب يطالبه بحقّه فقال له الوليد: «ألستم تزعمون وتقولون: إنّنا إذا متنا سنذهب إلى الدار الأخرى فنجد فيها الخيرات؟، فعندما نذهب إلى هناك سأعطيك حقّك؛ لأنّك لا أنت ولا أصحابك ستكونون أعلى مقاما عند الله منّي»، فردّ الله تبارك وتعالى عليه: {أَفَرَآيْتَ الذِي كَفَرَ بِئَايَاتِنَا
(1) … الرَّقْطَاء: مصدره الرُّقُطَةُ، وهو سواد يشوبه نُقَطُ بياضٍ، أو بياض يشوبه نُقَطُ سوادٍ. يقال للذكر: «أرقط»، وللأنثى: «رقطاء». (ابن منظور، لسان العرب: ج7، ص304، مادة: رَقَطَ).