في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١٦٣

قال لهم أبو جهل: «هذا ما سأفعله غدا، لم نعد نصبر على هذا، ولكن غدا إذا خرج سأدقّ رأسه بصخرة كبيرة، وأنتم شأنكم وقتئذ، إن شئتم رددتم عنّي بني عبد مناف، أو تركتموهم يفعلون بي ما يشاءون».

فأقسموا له كلّهم: «والله لا نسلمك، وسوف ندافع عنك، فنفِّذ خطَّتك».

ومن الغد هيَّأ صخرة كبيرة بقدر ما يستطيع حمله ويصل بها إلى مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -(1) ، وكان يصلّي متّجها إلى بيت المقدس، فالقبلة كانت إلى بيت المقدس قبل أن تحوَّل إلى الكعبة، ومصلاّه دائما بين الركن اليمانيّ وركن الحجر، وكان من عادته - صلى الله عليه وسلم - أن يطيل السجود ولا ينقر نقرا، ويذكرون غرائب أحيانا في إطالته السجود بذكر الله والتسبيح له ودعوته؛ لأنّ العبد أقرب ما يكون إلى ربّه وهو ساجد، وأمّا القرآن فمنهيٌّ أن يقرأه أحد وهو ساجد لحكمة يعلمها الله تبارك وتعالى، وما علينا نحن إلا أن نمتثل.

جاء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ليصلّيَ كعادته، وقريش كلّها مجتمعة، وبالطبع في ذلك اليوم سيكثر عددهم؛ لأنّهم ينظرون ما سيصنع سيدّهم أبو الحكم سيّدُ الوادي.

جاء أبو جهل ورفع صخرته الكبيرة، وذهب وتقدّم بها نحو النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الذي لم يحرّك ساكنا، فلما اقترب منه إذا به يتراجع إلى الوراء، والصخرة ملتصقة بيديه، وهو مصفرّ اللون، ما بوجهه قطرة دم، حتى ابتعد وأطلق الصخرة، فهُرع إليه قومه قائلين: «مالك يا أبا الحكم؟! ماذا حدث لك؟!».

قال لهم وهو في حالة رعب وهلع: «لمّا اقتربت منه رأيت جملا هائجا هاجما عليَّ، لم أر في حياتي رأسا مثل رأس هذا الجمل، ولا عنقا مثل عنقه، ولا أنيابا مثل تلك الأنياب، ولو لم أتأخر لالتقمني!!».

(1) … يقصد الشيخ بالمسجد هنا: مكان السجود. جاء في لسان العرب: المسجَد والمسجِد: المكان الذي يُسجد فيه، وجعلوه اسما لبيت العبادة. (ابن منظور، لسان العرب: ج3، ص204، مادة: سجد).

١٦٣ / ٤٥٥