في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١٦٤

وخلّد البوصيريّ هذه الحادثة أيضا(1) :

وأبو جهل إذ رأى عنق الفحـ … ل إليه كأنّها العنقاءُ(2)

فقُهر وأهين بين قومه، وكفى اللهُ نبيَّه بهذا الجمل الذي هجم على أبي جهل، أمّا قومه الذين كانوا معه فلم يروا شيئا.

ووقعت له حادثة أخرى عندما اقتضاه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - دَيْنَ الإرَاشِيِّ.

يقول البوصيريّ في همزيّته(3) :

واقتضاه النبيُّ دَيْنَ الإراشي … يِ وقد ساء بيعُه والشراءُ

ورأى المصطفى أتاه بما لم … يَنْجُ منه دون الوفاء النَّجَاءُ

والإراشيُّ هو أعرابيّ بدويّ، جاء إلى سوق من أسواق مكّة، وكما تقدّم لنا فالناس يأتون قبل الموسم ومنذ ذي القعدة ويجتمعون، فيبيعون ويشترون حتى يحين وقت الحجّ فيدخلون إلى مكّة، ويذهبون إلى منى وعرفات…

هذا الأعرابيّ من قبيلة تسمّى: «إراش»، ساق شيئا من الإبل فباعها، واشتراها منه أبو جهل، فماطله ومكر فيه ولم يرد أن يدفع له ثمنها، والأعرابيّ بدويّ مشرك ولا يعرف شيئا، ولمّا أطال عليه المماطلة، جاء يوما إلى مَجمع قريش، وكان مجتمعهم دائما في الحرم، فوقف عليهم وخاطبهم: «يا معشر قريش، خلّصوني من أبي الحكم، أنا غريب ولست من أهل الوطن، لقد اشترى منّي إبلا ولم يقضني، فأعطوني حقّي».

وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - جالسا في جهة من جهات المسجد، فقالوا لهذا الإراشيّ: «أرأيت هذا الذي هو جالس هناك؟، اذهب إليه فهو الذي سيأخذ لك حقّك من أبي جهل»؛ يعني سخريّة بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا من جملة استهزائهم.

(1) … البوصيري، القصائد البصيرية في مدح خير البرية: ص12.

(2) … العنقاء: طويلة العنق. (ابن منظور، لسان العرب: ج10، ص271، مادة: عنق).

(3) … البوصيري، القصائد البصيرية في مدح خير البرية: ص13.

١٦٤ / ٤٥٥