في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١٦٥فذهب إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وكان لا يعرف حتى اسمه، فقال له: «يا عبد الله، أنا رجل غريب، ولقد اشترى منّي عمرو بن هشام إبلا ولم يرد أن يدفع لي ثمنها، فذهبت إلى الجماعة الجالسة في الحرم، فقالوا لي اذهب إلى ذلك الرجل فيخلّصك منه، وها قد قصدتك، فأنصفني منه حتىّ أعود إلى أهلي».
وكان لا يعرف أنّه رسول الله، فلم يخاطبه بالرسالة ولا حتّى بمحمّد اسمِه، وإنّما قال له: «يا عبد الله».
فما زاد النبيّ على أن قال له: «تعال معي».
ولما مشيا، بعثت قريش أحدا قائلين له: «الحقهما وانظر ماذا سيحدث».
وهذا شيء طبيعيّ؛ لأنّهم استغربوا كيف نهض النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ورافق الإراشيّ؟!، فماذا سيكون بينه وبين أبي جهل؟!، هل سيتقاتلان، أم يتشاجران، أم يتسابّان، أم ماذا سيحدث؟!، فذهب معهما حتى وقفا بباب أبي جهل.
أخذ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الإراشيّ إلى دار أبي جهل، ودقّ على الباب فخرج أبو جهل.
تقول الرواية إنّه خرج وهو يرتجف ما على وجهه قطرة دم، وفي بعض الروايات: «ما في وجهه رائحة دم»، مصفرّ اللون، يرتعد من شدّة الخوف، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : «اقض هذا حقّه».
فقال له أبو جهل: «لا تبرح حتى أَقضيَه». فدخل دارَه وأتى بحقّ الإراشيّ فدفعه إليه وذهبا.
فعاد القرشيّ -الذي كان يتفرّج وينظر ولكن لا يعرف ماذا يحدث- إلى قومه وقصّ عليهم ما حدث، فبلغ بهم العجب ذروته.
فكيف يحدث هذا؟! أهذا هو أبو جهل المعتدّ بنفسه؟!.
ولم يلبثوا إلا قليلا حتّى جاء أبو جهل، فقالوا له: «مالك يا أبا الحكم؟! ماذا حصل لك؟!، بمجرّد أن جاءك محمّد وقال لك اقض لهذا حقّه ففعلت؟!».