في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١٦٦

قال لهم: «ويلكم لو رأيتم ما رأيت، سمعت الباب ضُرب وكأنّ الدنيا تقرقعت، ثمّ لما خرجت وفتحت الباب، فقابلني محمّد ولكن من فوقه جمل له رأس وأنياب وعنقٌ… ذاك شيء ما رأيته!!، والله ما فكّني إلا أن أسرعت وقضيت لذاك [الإراشيّ] حقّه».

وهكذا أذلّه الله تعالى أمام النبيّ - صلى الله عليه وسلم - رغم شدّته وقوّته وعجرفته.

ويريد الله تبارك وتعالى أن يمكر فيه المكر الأخير، فادّخر له نهايته إلى غزوة بدر، تلك المعركة الكبرى التي انتصر فيها الإسلام، وكان فيها مقتل أبي جهل وأضرابه من صناديد قريش، فكانت بحقّ مفخرة للإسلام والمسلمين، إذ كانت لهم عزّا.

وأراد الله تبارك وتعالى أن يذلّه أكثر إذِ اجْتزّ رأسَه عبدُ الله بن مسعود -رضي الله عنه-، الذي سمّاه رُوَيْعِيَّ الغنم(1) ، فقد ضربه اثنان من الأنصار(2) وكان ضخما، فلم يمت، وجاءه عبد الله بن مسعود وصعد فوق أكتافه؛ ليقطع رأسه لكي يأخذها للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وكان لا يزال به رمق، فرفع له رأسه وقال: «من؟!»

قال: «عبد الله بن مسعود».

قال: «يا رُوَيْعِيَّ الغنم! إنّ أشدّ ما لقيته اليوم قتلُك إيّاي! هلاَّ قتلني أحد من المطيِّبين الأحلاف(3) ».

(1) … «رُوَيْعِيٌّ: تصغيرٌ لكلمة راعٍ». (من كلام الشيخ).

(2) … هما: معوّذ بن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح. (سيرة ابن هشام: ج3، ص182-185).

(3) … المطيّبون الأحلاف هم الذين دخلوا في حلف بني عبد مناف في الجاهليّة لما اختلفت قريش بعد موت قصيّ بشأن تقسيم بعض الأعمال كالسقاية والرفادة والحِجابة…، وعند التعاهد أخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا، ويزعمون أنّ بعض نساء بني عبد مناف أخرجتها لهم فوضعوها لأحلافهم في المسجد عند الكعبة، ثمّ غمس القوم أيديهم فيها، فتعاقدوا وتعاهدوا هم وحلفاؤهم ثمّ مسحوا الكعبة بأيديهم؛ توكيدا على أنفسهم؛ فسمّوا المطيِّبين. (سيرة ابن هشام: ج1، ص262-263).

١٦٦ / ٤٥٥