في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١٧٥في ذلك الوقت، نزلت أوّل آية في الإذن بالقتال؛ لأنّه في أوّل الأمر لم يُسرّح الله تبارك وتعالى لنبيّه - صلى الله عليه وسلم - أن يحارب قريشا، فهو ما زال ضعيفا والمؤمنون كذلك، فكان يوصيهم بالصبر:
فعندما يضرّونكم اصبروا…
وعندما يسبّونكم اصبروا وتمسّكوا بدينكم…
والقرآن مليء بهذا.
ثمّ بعد ذلك تنزل أوّل آية -عند الجمهور- تأذن بالقتال وهي قوله تبارك وتعالى في سورة الحجّ: ﴿اُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىا نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ اِلآَّ أَن يَّقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلاَ دِفَاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَّنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾(1) .
وقال بعض الرواة: إنّ أول آية هي قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىا لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾(2) ولكن الجمهور على الآية الأولى، وأنا أميل إلى هذا وأرجّحه بشيء؛ لأنّ فيها التعبير صراحة بالإذن بالقتال: ﴿اُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾ فلفظة: ﴿اُذِنَ﴾؛ تدلّ على أنّهم وإلى الوقت الذي نزلت فيه الآية، ما زالوا ممنوعين عن الردّ، وليس لهم إلا أن يصبروا، ولكن الآن سُرِّحوا ﴿اُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾: الذين يُهجم عليهم ويُقاتلون، أذن الله تبارك وتعالى لهم أن يردّوا؛ لأنّهم مظلومون، ﴿اُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىا نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾: يعني أعطي لهم التسريح الآن بالقتال.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوّة الآن هو: كيف سيبدأ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الحرب معهم؟ فالحرب تقتضي نظاما، وتقتضي تكوين قاعدة مثلما يعبّرون الآن بـ: «القواعد